Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عادل خميس الزهراني

من «كشتة» أبي شرف إلى معجم الدخيل.. يا قلب «لا تعجبْ»..!!

A A
كشتة.. كلمةٌ تعني «الخروج إلى البر للتنزّه»، كما هو معروف.. وهي فارسية الأصل (كشت)، تدور حول معاني التنزّه، والاستكشاف، والرحلة السياحية.. ويعتقد صاحب معجم الدخيل أن التاء في (كشتة) العربية أضيفت للإشارة إلى «المرّة».. أي «كشتة واحدة».. ويقول أحدنا اليوم: ايش رأيكم نكشت؟ فيجيبُه الربع: تم.. يا زين «الكشتات» هالأيام!

كنّا ضيوفًا عند ترجماننا الجميل أبي شرف.. هكذا يعرفه أصدقاؤه الذين يكتظ بهم قلبه.. أعني هنا الدكتور محمد البركاتي أستاذ اللغويات المقارنة، ورئيس جمعية المترجمين السعوديين.. ومجلس أبي شرفٍ لمن لا يعرفه.. «كشتةٌ» متكاملةُ الشروط؛ نقاشات معرفية متفرّعة، وحوارات ثقافية وتربوية، ومناكشات اجتماعية لا حصر لها.

«كشتة» اليوم واحدةٌ من عطايا الكريم ابن الكرام، حين كنا ضيوفه هذا الأسبوع؛ وردتِ الكلمة، وبيننا متخصصون في الهندسة، والإعلام، والطب، والإدارة، واللغات، والعلوم الإنسانية.. ذكرَها أبو شرف نفسه في سياقِ حديثٍ عابر عن تطور اللغة، وتأثرها باللغات المحيطة.. نطقَ بها صاحبي، ولمعت في العينِ ذكرى.

عدتُ إلى العام 2011، حين وقعتُ بالصدفة على كتاب (معجم الدخيل في اللغة العربية الحديثة ولهجاتها) لصاحبه الدكتور فانيامبادي عبدالرحيم، ابن الهند الذي أحب العربية وأخلص لها (عمل في المملكة منذ العام 1398هـ).. والمعجمُ أحد مؤلفاته، أصدره بدايةً في العام 1393هـ، وضمّ 800 مادة معجمية، ثم أعاد إصداره بعد أربعين عامًا، مضيفًا له 800 كلمة أخرى.

الكتاب رحلة ماتعة ومدهشة في عالم الكلماتِ التي استعارتْها عربيتُنا اليوم من أخواتها اللغات الأخرى.. لا يملك القارئ إلا أن يتعجّب وهو يتنقّل بين صفحات الثقافات التي يجول في أرجائها لسانُه العربي دون أن يدري.. تأتيه الكلمةُ دارجةً في حديثه اليومي، لكنه يفاجأ بالكتاب يكشف له رحلتها التي قد تمتدّ من مشارق الأرض ومغاربها حتى تصل إليه، فلا يملك إلا أن يضحك، ويتعجب..!!

كنا نسمي الفانوس إلى وقت قريب «إتريك»، وبعضنا لا يزال، وهي -على ذمة المعجم- محوّرةٌ من (electric) الإنجليزية، وفي الحجاز درَجنا على تسمية الحافلةَ (سيارة النقل): «أوتوبيس»، وهي الفرنسيةُ -والإنجليزيةُ- (autobus)، ويقول بعضنا: (باغة)، يعني غطاءَ أو كيسَ البلاستيك، وأصلها التركي يعني «السلحفاة»، أو عظمُ ظهرِها (باقا baga)، وقد تكون ذات صلة بـ(bag) الإنجليزية، وبأصلها الجرماني القديم (baggi).

وبالمناسبة، فكلمة «كِيس» هذه عربية الأصل كما تعلمون، كانت تعني وعاءَ النقود والجواهر، جاء بها إلى جلسةِ أبي شرف مهندسُنا الجميل الدكتور حسين باصي، حينما سمع اشتقاقها الجديد بين الشباب؛ يقولون: (يكيّس) أي يأتي بالشيء من كيسه، حين يبالغُ الشخصُ أو يحضر معلومةً دون مصدر، وهذا تطور دلالي مشتقٌ من الدلالة الأولى لكيس الدنانير كما ترون.

تعَجّبَ المهندسُ من (يكيّس) فتداول الحضور؛ كلٌ يدلي بدلوه، كما يتداول قرصَ (الصول) الأبيضَ لاعبو (الكيرم)، هذه اللعبة الهندية التي أعادها كورونا للحياة، ولعلها ستنطفئ قريبًا، فتجهلها الأجيال، كما كنا نجهل أن اسمها مأخوذ من الأصل الإنجليزي (carom)، ذلك الذي يقود إلى أصل سابق يشير إلى الكرة الحمراء (carambole) في اللعبة الأوروبية التي تشبه البلياردو.

وفي البلوت يصيح أحدهم بانتشاء: (كبّوووت) فيبدأ الصراخ والعويل، وتستخدم (كبوت) في سياقات أخرى، وهي من الفرنسية (capot)، تشير لغطاء محرك السيارة، أما قَمرَة الطائرة، أي مقصورة الطيار، فمأخوذة من التركية (kamara)، المتأثرة بالإيطالية (camera)، أو الإسبانية (cmara)، ويبدو أن أصلها (chambre) اللاتينية، التي تعني «الغرفة».

التركية أعطتنا أيضًا مرادف الطماطم: قوطة (قواطا-kavata)، والكوزي (kuzu)، أي الخروف الصغير، ودجاج الطاووق (tavuk)، وختمتْ وجبتنا بالبقلاوة، ثم ورّطتْنا في الفاتورة (fatura)، رغم أن أصلها اللاتيني (factura) كان يشير إلى «الشيء الذي يُصنع»، وسامح الله من جعله «الشيءَ الذي يُدفع».

مساء ذلك اليوم من عام 2011، أدركتُ أني أعطيتُ يومي كله لـ(معجم الدخيل)، الذي وقع بين يديّ بالصدفة، وقررتُ حينها أن أكتب عنه مقالاً... هذا ما فعلتُه اليوم، بعد عشر سنوات، حينَ جمعنا صديقنا التُرجمان، في (صالون)ٍ عامرٍ بالكرمِ والفضيلة.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية