تمرُّ على الإنسان في الحياة مواقف يمرُّ عليها الزمن فتُنْسَى، ولكن بمرور مواقف أخرى تعود إلى الذاكرة تلك المواقف فتحدث في النفس اعتزازًا أو انكسارًا بحسب الموقف.

ومن تلك المواقف التي مرَّت بي أنني في تسعينيات القرن الهجري الماضي كنت أحد خريجي مدرسة مكة الثانوية القسم العلمي وفي ذلك الوقت لم يكن هناك خيار أمام خريجي الثانوية العامة في المملكة لتكملة الدراسة الجامعية إلا جامعة الملك عبدالعزيز في جدة وجامعة الملك سعود في الرياض وكلية البترول والمعادن في ذلك الوقت التي أصبحت جامعة فيما بعد، وكانت في مدينة الظهران.

وكانت الرغبة آنذاك أن أكون مهندسًا وكلية البترول والمعادن الوحيدة التي كانت تجري اختبارات قبول للمتقدمين إليها ليتم اختيار أفضل المتقدمين.

وتم ترشيحي -ولله الحمد- للدراسة في تلك الكلية وحزمت حقائبي وذهبت إلى الظهران وقدمت أوراقي وأكملت إجراءات التسجيل وبعدها اتصلت هاتفيًا بالوالد رحمه الله والوالدة أطال الله في عمرها في صحة وحسن عمل؛ لأطمئنهم بأن أموري على ما يرام، وإذا بهما يطلبان مني العودة إلى مكة المكرمة والالتحاق بكلية التربية التي كانت تحت مظلة جامعة الملك عبدالعزيز في ذلك الوقت وذلك للحاجة إلى قربي منهما.

وفي الحال قدمت اعتذاري لكلية البترول والمعادن، وعدت أدراجي استجابة لطلب الوالدين بدون تأفُّفٍ أو اعتراض، وقدمت أوراقي لكلية التربية على الرغم من مرور أسبوعين من الدراسة، وقبلت في قسم الرياضيات والفيزياء.

ومن بركات ذلك أن تخرجت -ولله الحمد- بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى وكنت الأول على الدفعة وكان ذلك كرمًا من الله وبفضله ثمَّ بتقديم رغبة الوالدين على رغبتي.. بعد ذلك تم بفضل الله وكرمه أيضاً تعييني معيداً ثم أستاذا مساعداً في كلية العلوم بجامعة الملك عبدالعزيز.. ولم تتوقف بركة بر الوالدين بل عينت مستشاراً برعاية الشباب ومن ثم وكيلاً ثم مديراً لأعرق جامعة تقع في أطهر البقاع مكة المكرمة لفترتين متتاليتين.

هذا ما كان مني سابقًا وكيف أن الله أكرمني بسبب طاعة الوالدين وتقديم رغبتهما على رغبتي بدون تأفف أو ضجر.