يعد العام الأول في رحلة الحياة الزوجية، المحطة الأصعب، حيث يكون اكتشاف عادات الطرف الآخر مطلوبًا من الطرفين، ويحاولان معًا التأقلم على التغيير الحاصل في حياتهما والخلفية الثقافية والاجتماعية التي أتى منها الطرف الآخر، ويصنعان من الاختلافات نقاطًا للالتقاء.

ويعتبر العام الأول من الزواج الأكثر حدوثًا لحالات الطلاق، لعدد من الأسباب منها عدم توجيه وتوعية المُقبلين على الزواج، وتدخُل الأهالي في الحياة الخاصة لأبنائهم المتزوجين، وعدم التكافؤ، والاتكالية على الوالدين، وعدم إحساس الزوج بمسؤوليته تجاه أسرته، وغيرها.

ولتجنب هدم الحياة الزوجية قبل أن تبدأ، يجب على الشباب والفتيات التأكد من الاختيار الصحيح وتحقيق التكافؤ لتقليص حجم الاختلافات الفكرية والثقافية والاجتماعية، ومحاولة التعرف على الطرف الآخر خلال فترة الخُطبة بشكل جيد، بالإضافة إلى الانضمام لبرامج تأهيل المقبلين والمقبلات على الزواج.


ولأن نجاح الأسرة لا يجب أن يكون حقلاً للتجربة ولا يترك في مهب الريح للنجاح أو الفشل، أوصى لقاء الخبراء الوطني حول العنف الأسري بالمملكة، بمنح المقبلين على الزواج برامج تثقفهم على إمكانية إيجاد حلول للإشكاليات بينهم عن طريق الحوار والتفاهم.

فليس الهدف عقد القِران بين الراغبين في الزواج، بقدر السعي إلى بناء أسرة متآلفة متماسكة قوية، يعرف كل فرد فيها ما له وما عليه من الحقوق، ويشعر بمسؤوليته في إنجاح هذه العشرة بكل وسيلة شرعية متاحة، من التعليم، والتدريب، والاستفادة من خبرات أهل الاختصاص واستشارتهم.

والأسرة هي الأساس الذي تنطلق منه حضارة الأمم وتقدم الأوطان وأمن البلاد، فإذا تأسست على قواعد صحيحة، وسارت على منهج قويم؛ تحقق بذلك لأمتنا وأوطاننا ما تنافس به الأمم، وما تصبو إليه من الطمأنينة والاستقرار.

نسب الطلاق تزايدت عربيًا بشكل عام خلال السنوات الماضية لأسباب مختلفة، من أهمها المُتغيِّرات الحديثة التي طرأت على الأسرة وأوجدت ارتباكًا في العلاقة بين الزوجين وغياب الثقافة الزوجية بين الشباب.

لأجل ذلك اتجهت الكثير من المؤسسات الاجتماعية إلى تنفيذ الورش والدورات التأهيلية للمقبلين على الزواج وكانت النتائج مذهلة، فحسب أرقام وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية لم تتجاوز نسب الطلاق بين المشاركين في الزواج الجماعي والمراكز الاجتماعية ببعض المدن 1 إلى 2%.

وأثبتت دراسة أكاديمية عن (برنامج الإرشاد الأسري بمركز التنمية الأسرية بالأحساء) من إعداد الباحث إبراهيم بن فهد الحربي، أن نسبة 96.4% من عينة الدراسة تؤكد أهمية الدورات التدريبية للتأهيل قبل الزواج؛ لارتباطها بإعداد الشباب قبل هذه المرحلة المهمة من حياتهم، ولما تحققه من تزويدهم بالمعلومات الجديدة والمتنوعة.

بينما يرى الباحث سلمان بن محمد العمري، ضرورة ألا يقتصر دور التأهيل على الورش والدورات التدريبية، داعيًا أجهزة الإعلام والمؤسسات الدينية مثل وزارات الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والثقافة، والإعلام، بالاضطلاع بأدوارها فـي توضيح الأضرار الناجمة عن الطلاق على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.

وشدد العمري على ضرورة بث برامج توعوية عن الأسرة وأهمية تماسكها وترابطها، وتنسيق هذه الجهات مع باقي أجهزة الدولة كل فيما يخصه فـي البرامج الإرشادية، وإقامة المحاضرات، وتوزيع الكتب والمنشورات الخاصة بهذا الشأن، والعمل على خلق التفاهم والمودة في الأسرة من خلال تغيير السلوكيات وتحسينها.

كما حمَّل الأسرة (الأب والأم)، والمؤسسات التعليمية، جزءًا من المسؤولية فيما يتعلق بتهيئة الشباب والشابات لحياة زوجية مستقرة وسعيدة مبنية على المحبة والمودة، داعيًا كل أب إلى الجلوس مع ابنه، وكل أم للجلوس مع ابنتها، على انفراد، ومناقشتهم فـي احتياجاتهم والتعرف على تفكيرهم والاستماع إليهم ومناقشتهم لترسيخ المفاهيم الصحيحة عن الزواج.

وعملت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على اختيار نخبة من المختصين الذين جمعوا بين المعرفة والخبرة لإعداد برامج تدريبية تكون الخطوة الأولى التي لا يستغني عنها الزوجان لحياة زوجية سعيدة.

وتميزت البرامج التدريبية التي أعدتها الوزارة بأنها تجمع 5 جوانب وهي: (الجانب الشرعي، الاجتماعي، النفسي، الصحي والاقتصادي)، مع العمل المستمر على تطوير هذه البرامج عبر حلقات نقاش متخصصة تعيد النظر فيها بكل موضوعية.

وأظهرت الدراسات الخاصة بتأهيل المقبلين والمقبلات على الزواج نتائج مميزة لهذه البرامج، مما يدل على أهمية تدريبهم وتأهيلهم للحياة الزوجية لتحقيق عدد من الأهداف، وهي: (السعادة الزوجية وبناء أسرة آمنة مطمئنة، الحد من حالات الطلاق، زيادة الوعي بشؤون الحياة الزوجية، تحقيق الأمن الأسري والوطني، نشر الخير والألفة والمحبة في المجتمع بشكل عام وبين الزوجين بشكل خاص، الحد من حالات العنف الأسري والجريمة في المجتمع، وحماية الأسرة من التفكك والقطيعة والهجران).

كما توفر وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية صورًا أخرى من الدعم الموجه للأسرة، بالإضافة إلى خطوات متقدمة لمواجهة الأخطار التي تتعرض لها الفئات الأضعف داخل الأسرة، وذلك من خلال مركز بلاغات العنف الأسري.