لا تزال إسهامات الروسي رومان ياكبسون في الدراسات اللغوية والنقدية الحديثة -منذ بداية القرن العشرين- تشكّل منطلقًا مهمًا لكثير من النظريات والمناهج في الحقلين وفي حقول العلوم الإنسانية الأخرى.. ناقش ياكبسون بالتفصيل عناصر الاتصال اللغوي ووظائفه المختلفة، وأفاد من التطور الحاصل في المجالات الاجتماعية والرياضية والهندسية في صياغة نظريته الاتصالية، «وقد عبر بشكل صريح عن أهمية هذا العمل الجاد الذي دفع بالتواصل إلى الأمام، ودعا إلى التعاون بين مختلف الحقول المعرفية بغية إغناء وإثراء هذا العلم الجنيني -حينها- الذي لا كان يزال يشق طريقه ويبحث لنفسه عن موطئ قدم ومكان داخل العلوم.

يحدد ياكبسون في Closing Statement: Lingustics and Poetics (البيان الختامي: اللسانيات والشعرية) ستة عناصر تتوفر بالضرورة عند حدوث أي اتصال: 1) المرسل، 2) الرسالة، 3) الشفرة، 4) وسيلة اتصال (قناة)، 5) المتلقي (المرسل إليه)، 6) السياق. يفصل ياكبسون الأمر هكذا: «إن المرسل يوجه رسالة إلى المرسل إليه.. ولكي تكون الرسالة فاعلة، فإنها تقتضي، بادئ ذي بدء، سياقًا تحيل عليه (وهو ما يدعى أيضًا المرجع باصطلاح غامض نسبيًا) سياقًا قابلا لأن يدركه المرسل إليه، وهو إما أن يكون لفظيًا، أو قابلًا لأن يكون كذلك.. وتقتضي الرسالة، بعد سننًا مشتركًا: كليًا أو جزئيًا، بين المرسل أو المرسل إليه (أو بعبارة أخرى بين المسنن ومفكك سنن الرسالة).. وتقتضي الرسالة، أخيرًا، اتصالًا، أي قناة فيزيقية، وربطًا نفسيًا بين المرسل والمرسل إليه، اتصالًا يسمح لهما بإقامة التواصل والحفاظ عليه».

تحدد هذه العناصر المترابطة الوظيفة الرئيسية للاتصال القائم.. ويميز ياكبسون بين ستة وظائف اتصالية هي: 1) الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية (expressive or emotive) التي تجعل المرسل في صدارة اهتمامها، لأنها تهتم بإيصال انفعاله أو التعبير عن انطباعه. 2) الوظيفة الإفهامية (conative)، وهي تسعى للحصول على ردة فعل المتلقي عبر إثارة انتباهه، بينما تتوجه 3) الوظيفة المرجعيَّة (referential) «نحو المرجع المشترك بين طرفي التَّواصل الأساسيين؛ أي ما هو مشترك ومتَّفق عليه من قبل المرسِل والمرسَل إليه، وهو المبرِّر لعمليَّة التَّواصل؛ ذلك لأنَّنا نتكلَّم بهدف الإشارة إلى محتوى معيَّن نرغب بإيصاله إلى الآخرين وتبادل الآراء معهم حوله». 4) أما الوظيفة الانتباهية (phatic) فتهدف إلى بدء، أو الإبقاء على، نوع من التواصل، من مثل كلمات (ألو!، معي!؟، فاهمني!). وتركز 5) الوظيفة الميتلسانية (الشارحة) (metalingual) على الرسالة نفسها، فتهدف إلى شرح أو وصف جانب لغوي معين في الرسالة أثناء عملية التواصل، بينما تستهدف 6) الوظيفة الشِّعريَّة (poetic) الرسالة نفسها، من خلال تركيزها على الوظيفة الجمالية. يقول ياكبسون: «إن استهداف الرسالة بوصفها رسالة والتركيز على الرسالة لحسابها الخاص هو ما يطبع الوظيفة الشعرية للغة». ويشدد ياكبسون على أن هذه الوظيفة ليست مقصورة على الشعر: «ولا تؤدي كل محاولة لاختزال دائرة الوظيفة الشعرية إلى الشعر، أو لقصر الشعر على الوظيفة الشعرية إلا إلى تبسيط مفرط ومخل».

كرس ياكبسون جهدًا كبيرًا لتبيان هذه الوظيفة الأخيرة، لتكون أعماله منطلقًا مهمًا أفادت منه الدراسات الأدبية الحديثة في الربط بين الاتصال والأدب.. وقد سعى ياكبسون نفسه لأن تكون الوظيفة الشعرية بابًا لدراسة اللغة، لا يستغله النقاد فحسب، بل واللسانيون أيضًا: «وإذا كان للشاعر رانسوم الحق -وله الحق- في اعتباره «أن الشعر نوع من اللغة»، فإن اللساني الذي يكون مجال دراسته كل أشكال اللغة، يمكن ويجب أن يدرج الشعر في أبحاثه... وإذا كان هناك نقاد لا زالوا يشككون في كفاءة اللسانيات على أن تشمل مجال الشعرية، فإنني شخصيًا أفكر أن عدم قدرة اللسانيين ذوي الأفق الضيق في مجال الشعرية لا يعني عدم كفاءة العلم اللساني ذاته».