لم أتواجد في الصالة الجنوبية لمطار الملك عبدالعزيز «القديم» منذ سنة ونصف، حينما عُدْت إلى جدّة من مدينة سطنبول، وكانت هذه هي آخر سفرياتي قبل بداية جائحة كورونا، ثمّ بدأ بعد ذلك استخدام المطار الجديد الذي سنُوفِيه حقّه من الفرح والاحتفال والاحتفاء بعد انقشاع الجائحة بحول الله.

وقد تواجدْتُ في الصالة قبل أيّام لتلقّي لقاح كورونا، وهطل عليّ وابلٌ من الذكريات عن هذه الصالة التي لم يكن أهْلُ جدّة يعرفون غيرها عند سفرهم لداخل المملكة وخارجها على متْن الخطوط السعودية، وكانوا يشتكون من الصالة دائماً، من صِغَرِ مبناها، وسوء تكييفها، وقلّة خدماتها، وبطء سيور عفْشها، وتصميمها الذي لا يلائم أيّ توسّعات تُجْرَى فيها فتُحيلها لقطعة من الفوضى والعشوائية، فضلاً عن غياب أنابيب توجّه المسافرين المباشر منها للطائرات واعتمادها على الحافلات غير العصرية، والحمد لله ثمّ الشكر للدولة على بناء المطار الجديد الذي يليق بنا، وبمدينة جدّة التي هي بوّابة الحرمين الشريفيْن.

والصالة الجنوبية قرّرت تعويض من عانوا منها في الماضي، وخُصِّصَت لتكون مركزاً لتلقّي لقاح كورونا، وكأنّ لسان حالها يقول لهم: قد «بَهْدَلْتُكُم» في الماضي، فسخّرني اللهُ لأكون سبباً في تجنيبكم «بَهْدَلَة» كورونا بتلقّيكم اللقاح لكن بشرط ابتعادكم عن الشائعات التي تُشكّك فيه وفي فعاليته بمشيئة الله.

وبعكس ما كان يحصل من بعض موظّفي الصالة الجنوبية في الماضي، وعدم ارتقاء أدائهم الذي ربّما كان مرتبطاً بتواضع مبناها، بعكس ذلك تزّينت الصالة الجنوبية بكوكبة من الشباب والشابّات العاملين في وزارة الصحّة، ووالله وتالله وبالله، وبلا أدنى مجاملة، إنّهم يُحْرِجُون المُتلَقِّين لجرعة اللقاح بسرعتهم الفائقة في الخدمة، وترتيبهم المُدهِش للتباعد الجسدي، وحُسْن استقبالهم لهم داخل وخارج الصالة، وكأنّهم مُخْرِج سينمائي لفيلم درامي ينتهي نهاية جميلة لا يموت فيها البطل أو البطلة بل يعيشون في تبات وسكّر نبات.

وبحقّ وحقيق، لقد دخلْتُ الصالة الجنوبية بذكريات «مُشْ ولا بُدّ»، وخرجْتُ منها بِطَوي صفحة الذكريات «المُشْ ولا بُدّ»، ويا دار السعودية ما يدخلك شرّ.