في جلستي الأسبوعية التي تجمعني مع أصدقاء أعزاء من الجيران من دكاترة وكباتنة ومهندسين وغيرهم نجلس فيها بين العصر إلى العشاء بعيدًا عن الضوضاء، قريبًا من ضوء خافت يغازل القلوب ويطيب النفوس على ضفاف البحر وأحيانًا يموج البحر فنرتشف منه رذاذًا محملًا بنسمات وحبات وهبات وأحيانًا أخرى يكون مجافيًا لنا ولا يرى أن أحدًا منا له مكافئ - يذكرني ببعض الناس الذين تتشوف نفوسهم- فينؤون عنا ويبعدون قليلا فالمغازلة بيننا وبين البحر لا تنتهي بين مد وجزر نقترب منه ونتودد إليه فيبعد عنا ويتغلى علينا ويقترب منا ويتودد إلينا ولا نلتفت إليه ونجمده كأننا لا نعرفه.

ليس هذا المهم، لكن المهم أننا في إحدى الجلسات ونحن نناقش موضوع الأسر والعوائل والأولاد والبنات اتضح لنا أن مجموعة ممن هم معنا في الجلسة ظهر عليهم الحسفة وأنهم حزينون هم وزوجاتهم لأن الله لم يرزقهم بناتًا فبيوتهم من البنات خاوية خالية وكانوا جميعًا ممن خلف أولادًا فقط، لقد عبروا عما في داخلهم أشد التعبير عندما ظهر على وجوههم وهم يتكلمون شيئًا مما يشبه البكاء مع العلم أن كل واحد منهم قد أنجب أربعة أولاد (سبحان الله هم ثلاثة وكل واحد عنده أربعة أولاد) وزاد موضوعهم تحسفًا وقهرًا أن حديث تلك الجلسة كان عن البنات وحنانهن وعطفهن وحبهن وأنهن القريبات إلى القلب خاصة للآباء،فالمعروف أن البنت بنت أبيها أي أنها الأكثر توددًا وخدمة وحبًا لأبيها من الولد فخرجت الجلسة بوصف هؤلاء المجموعة «مساكين ما عندهم بنات» وبعض البنات من شدة تعلقهن وحبهن لإرضاء آبائهن وأمهاتهن لا يتزوجن ويبقين مع والديهم أحدهما أو كلاهما خدمة لهم ويكفي أن الأب حياته وحبه المكنون إنما هو للبنت وقد كان صَلى الله عليه وسلم إذا أقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها بش في وجهها واستقبلها وقام لها وأجلسها مكانه صَلى الله عليه وسلم وكان يقبِّل جبينها ولا يقبل من أحد أن ينال منها حتى بعد زواجها من الإمام علي رضي الله عنه كان يسعى لترضيتها وفِي نفس الوقت كان يوجهها ويربيها على حسن الخلق وحسن تبعلها لزوجها ويذكرها بالآخرة ويكفي أن ثلاث بنات أو بنتين أو حتى بنتًا واحدة إن أحسن الأب تربيتها وراعى أمرها كانت سببًا وبابًا لدخول الجنة كما ورد ذلك في الحديث الصحيح.. وقد كتبت مقالة سابقة في وصف البنات بعنوان (البنات سكر نبات) وشرحت فيها غلاوة البنات ومكانتهن في الإسلام..

نعود الى جلسة البحر و»محرومي» البنات فعند نهاية حديثنا عن البنات ونحن نراقب البحر ونستمتع بجوه الخلاب ونسمات هوائه المفعمة بذرات الأوكسجين النقي طلبنا منه مشاركتنا فهز رأسه وعبر بحسرة عن من لم يرزقهم الله بناتًا سائلًا الله لهم خلفة بنات في المستقبل إلا أن أحدنا ذكّره أنك يابحر نسيت أن أمرهم قد انتهى فقد كبروا وكبرت زوجاتهم ولَم يعد في الوقت متسع للخلفة فقال الحمد لله الذي رزقني بنتًا جميلة هي عروس البحر وهنيئًا لكم أنتم في جلستكم البحرية في جدة عروس البحر ورزقنا الله وإياكم الصالح من الذرية بنتًا كانت أو ولدًا وذكرنا بقوله تعالى (يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا).