مات أستاذي شفيع شلبي الذي كم تعلقت به طفلا، وحاكيته فتى، وتمنيت أن أسجل معه الحوار الأخير! ولأنه في الأصل منوفي من «شبرا بخوم» فقد كان إذاعيًا مرموقًا، ومخرجًا فذًا، وكاتب سيناريو جميلا، ومنتجًا سينمائيًا واعيًا، وتلفزيونيًا فريدًا، وسياسيًا وطنيًا، وقبل هذا وبعده مهندسًا زراعيًا بعشق الطمي والأرض والطين.. هكذا كان لابد أن يكون.

مات شفيع الذي ظل يظهر أمامي كأنه الربيع، فإن حدثته عن مصر ثار كالوحش الكاسر، وإن حدثته عن النيل يصبح كالطفل الوديع!

مات شفيع الذي ثار مبكرًا، بل مبكرًا جدًا على أوضاع الإعلام المصري، بل على أحوال «ماسبيرو» والتلفزيون، معبرًا عن ذلك، مرة بترك شعره «بلا تسريح» وأخرى على إصراره على دخول المبني بدراجته المتواضعة «بلا تصريح»!

مات شفيع الذي ظل يتفاعل مع فن التصوير كينبوع، تارة بالحس وبالروح، وأخرى بالمنظور وبالمسموع!

رحل شفيع شلبي الذي أعاد للنهر هيبته ولعفيفي مطر جماله وعذوبته وهو يؤرخ من خلاله للنيل.. مات شفيع الثائر الجميل على أخطاء أكثر من جيل.. مات أستاذي الذي أعاد تقديم الشاعر العربي الكبير محمد عفيفي مطر من البداية للأجيال.. ولمجمرة البدايات كما يقول شاعرنا العظيم حضور الرماد والحصى، وشرر الاحتمالات، تقلبها أصابع الكهولة وتلتقط من أكوامها، بعض ما كان يهز الصبا من انفعال، أو بصيص توفد أو ارتعاد إرهاصات مرتبكة.. أخليت المجمرة من رماد كثير، واستبقيت بعضًا من حصى التذكر الحميم.

لقد بلغ من عبقرية شفيع شلبي أن يأتي بمهندس معماري، هو المهندس سيف أبو النجا رئيس جمعية المعماريين المصريين ليتحدث عن الشاعر مطر، مستهلا حديثه باكيًا وهو يؤكد أن الشاعر الراحل هو الذي عرفنا بكينونة مصر من خلال قصائده عن النيل والطمي والطين الأسود، وصارخًا في الحضور لقد كان على أرض مصر عفيفي مطر ولا يعرفه أحد، قبل أن يأتي شفيع شلبي ويعرفنا به بعد 30 عامًا من التجاهل المتعمد من القائمين على المؤسسات الثقافية في هذه الحقبة.. هكذا أعاد شفيع لنا عفيفي مطر بعد 30 سنة لنكتشف معه كينونة مصر ونحن في السبعين!

سهرت بالأمس، مع يمام الروح لعفيفي مطر حين كانت «نخلة من عروق الرخام.. خوصت فانتضى عنكبوت الظلام، مغزلا يغزل الدفء والنوم.. كان الفضا من نديف الحرير، وكان الهديل.. قطرتي جوهر نابض، واليمام.. بين «لا» في أذان المؤذن - في نشوة من علو الجناحين حنى المجرات، يعلو اليمام، حين يصفو الصدى بعد «إلا» يحط اليمام.. سادرًا في رؤى الفجر بين نعاس وصحو.. يطير اليمام.. يحط الحمام» هممت بالقيام، فوقعت عيني على مرثية «سمية».. مات شفيع شلبي! يا لهذا التوافق الروحي العجيب!

قلت سبحان الله! وعدتك يا شفيع بالزيارة وشغلتني الحياة.. بكيت فجرًا مرتين.. مرة عليك.. ومرة عليه.. صليت ودعوت له و أنا أردد: إنا لله وإنا إليه راجعون.