كان حكماؤنا -وما زالوا- يحذّرون ممّا تبدأ به حروف كلمة «شوك» ويقصدون شراكة ووكالة وكفالة، وهم صادقون في تحذيرهم، فالسيئات التي تنتج عن هذه التعاملات التجارية أكثر من حسناتها، وكأيّن منها قد أدخلت أصحابها غياهب السجون وأقبعتهم خلف قضبان زنازينها، أو ألزمتهم أَسِرَّة المستشفيات، أو فرّقت بين الأقارب والأصحاب، أو أسكنتهم باطن اللحود!.

فما الرأي عندنا إذا أضفنا حرف «ت» لكلمة «شَوْك»؟ ستُصبح كلمة جديدة هي «تَشَوُّك»، وهذه الأخيرة هي أشدّ تجريحاً بالناس، وأقصد بالتاء: التستّر التجاري الممنوع نظاماً، فيا له من رُباعي مُخِيف يَقْدُمُه التستّر كما يَقْدُمُ فرعونُ قومه يوم القيامة، كدليل على أنّ التستّر هو الأكثر خطورة والأنكأ إيلاماً باقتصادنا الوطني الصامد.

وبالأمس أعلنت وزارة التجارة عن تشهير بجريمة تستّر اقترفها مواطن لصالح وافد في قطاع المقاولات، وقد أحسنت صُنعاً حين عاقبتهما ففرضت عليهما غرامة مالية، وأغلقت منشأة المواطن الوهمية وترخيصها وسجلّها التجاري، وصفّت نشاطها واستوفت رسومها وزكاتها وضرائبها، ورحّلت الوافد، ونشرت عقوبتهما في الجرائد على نفقتهما، وهذا أقلّ القليل لأنّ التستّر في قطاع المقاولات خطير للغاية، والوافد المُتَسَتَّر عليه قد يغشّ في البِنَاء ليربح أكثر طالما ضَمِنَ أنّ المواطن المُتَسَتِّر هو المسئول أمام الجهات المعنية، وبعض أنواع الغِشّ في البناء تكون إنشائية وتُهدّد حياة وسلامة الساكنين في المباني، وقد صدقت الوزارة حين وصفت هذا التستّر بالجريمة، وهو جريمة بكلّ ما تعنية الكلمة.

وأنا ما زلت أؤكّد أنّه لولا ضعف نفوس بعض المواطنين المُتَسَتِّرين لما تحصل جرائم التستّر، وأستغرب من ممارستهم له، فمكسبهم المادّي منه، إن صحّ لي وصفه بالمكسب، هو فُتات يرميه الوافدون المُتستَّر عليهم على وجوههم، ولو كانوا نشامى لامتهنوا ومارسوا المقاولات بأنفسهم، فهي حِرْفة عظيمة، ومُدِرَّة للأرباح الوفيرة، غير أنّه الكسل الذي جعلهم يرضون بالفُتات مقابل مسئولية جسيمة فيما لو كُشِفُوا وعُوقِبُوا أمام الله وخلقه، فالحذر الحذر من التَشَوُّك بكلّ حروفه المُدبّبة!.