لو بحثت عن أغلى وأكثر المركبات تعقيداً في العالم، ستجد أن المكوك الفضائي على رأسها. كان مصمماً لينطلق كالصاروخ إلى الفضاء الخارجي، ثم يحوم كالمركبة الفضائية في مدارات حول الأرض تصل إلى الستمائة كيلومتر ويتحمل درجات حرارة تتراوح بين 120 درجة مئوية فوق الصفر إلى 170 درجة مئوية تحت الصفر.. ويحمل سبعة رواد فضاء، ومعدات وأجهزة يصل وزنها إلى 27500 كيلوجرام، ثم يعود إلى قواعده سالماً.. شراعياً، أي بدون استخدام قوة أي محركات.. وبعد كل هذا يعاد استخدام مكوناته الأساسية في رحلات متتالية ولذا أطلقوا عليه اسم المكوك.. كان «رايح جاي» مثل «البيجو» على خط جدة - المدينة المنورة أيام زمان. ومن الناحية الفنية، فإن مصطلح المكوك يطلق على «رصّة» تشمل المركبة المدارية.. ومنظومة الصاروخين الداعمين على جانبيها.. وخزان الوقود العملاق تحتها. شغلت ناسا أسطولها المكون من خمس مركبات وهي «كولومبيا»، و»تشالنجر»، و»ديسكوفري»، و»اتلانتيس»، و»إنديفور» لترسل 355 رائد فضاء في 135 رحلة من عام 1981 الى 2011.. وقد تعرض المكوك لكارثتين غيرتا العمر الافتراضي للبرنامج.. وتحديداً انفجر مكوك «تشالنجر» في 28 يناير 1986 أثناء صعوده، وكان موضوع مقال الأسبوع الماضي. وأما مركبة «كولومبيا» فقد تحطمت أثناء عودتها إلى الأرض في 2 فبراير 2003 وقصتها تحتوي على بعض من الغرائب ألخصها في التالي: عند الإقلاع، انفصلت قطعة فلين رغوية بحجم ثلاث حبات «تميس» من على غلاف خزان الوقود العملاق وارتطمت بجناح المدارية. وتسبب ذلك في إحداث ثقب بحجم «حبحبة» أدى إلى انهيار منظومة حماية المكوك الحرارية، وأدى إلى تحطم المركبة بالكامل عند عودتها.. وللإيضاح فالخزان الهائل للمكوك يحمل حوالي مليوني لتر من الوقود البارد جداً.. وهو أشبه «بالترموس» العملاق الذي نضع فيه المشروبات للمحافظة على درجة حرارتها. يحتوي على الوقود المكون من عنصري «الهيدروجين» و»الأكسجين» في حالتهما السائلة، ويتطلب ذلك درجة حرارة منخفضة جداً تصل إلى 269 درجة تحت الصفر. وللإبقاء على برودته، يتطلب تغطيته بطبقة عازلة من الفلين الرغوي. الغريب هنا أن في تاريخ عمليات المكوك، كانت بعض قطع ذلك العازل الحراري تتطاير وترتطم بجسم المكوك بطريقة شبه اعتيادية. وفي يناير 2003 عند انطلاق رحلة مكوك «كولومبيا» في رحلته الثامنة والعشرين، كان الارتطام قوياً بالرغم من خفة وزن القطعة التي قدرت بوزن ما يعادل حوالي أربع برتقالات. والأغرب من هذا أن هناك عوامل مشتركة بين كارثة مكوكي «كولومبيا» و»تشالنجر» في يناير 1986 ففي الحالتين، حذر بعض من المهندسين من المخاطر الكارثية، ولكن تحذيراتهم لم تؤخذ بجدية، بالرغم أنها كانت مسجلة وموثقة. وفي رحلة عودة المركبة وبسبب انهيار نظام العزل الحراري لبدنها، بدأت تتحطم فوق مدينة «فلسطين» في شرق ولاية تكساس الأمريكية، علماً بأنها كانت تحمل أول رائد فضاء إسرائيلي. الشاهد أنها تبعثرت عبر ثلاث ولايات ومئات الكيلومترات بسبب سرعتها وارتفاعها الشاهقين. شاهدها الملايين على الطبيعة، وشارك في تجميع الحطام على الأرض أكثر من عشرين ألف متطوع خلال فترة ثلاثة شهور جمعوا خلالها أكثر من ثمانين ألف قطعة مهشمة لإجراء التحقيق.

أمنيـــــة

في الكارثة المذكورة أعلاه، اكتشف المحققون أن فلسفة السلامة في إدارة الفضاء الأمريكية «ناسا» أصابها «العطب» لأنها أصبحت تتطلب الإثبات أن العمليات ليست آمنة قبل أن يتم إيقافها، بينما كانت فلسفتها التقليدية أن المطلوب إثباته هو عكس ذلك.. أي أنها آمنة لاستمرارها.. وهذا هو النهج الأفضل والأكثر أماناً. أتمنى أن يتعلم العالم من هذه الدروس، وأن تتم إعادة تقويم فلسفة السلامة في حياتنا لأن من السهل أن يتم الافتراض أن الأمور على ما يرام، وأن ننسى بأنها ليست بالبساطة التي تبدو عليها، وأن الله هو الحفيظ.

وهو من وراء القصد.