تداول السلطة في الدول الديموقراطية عادة يتم بدون إراقة دماء لأن فترة الولاية محددة والاطمئنان لدى الشعوب أنها ليست ولاية مفتوحة.. بل أنها لفترة زمنية محددة، وبها ضمنياً ضوابط توازن القوى. بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية على ذلك المنوال.

الانتخابات الأمريكية الأخيرة كانت غير، لأن ترامب كان واثقاً من الحصول على ولاية ثانية وعندما عاكسه التيار احتج وزمجر وحشد أنصاره وحرّض -حسب تقديرات خصومه- على اقتحام «الكبيتال» قلعة الحكم الفدرالي ورمز ديموقراطية أمريكا وتفوقها، ولكنه في النهاية خرج من البيت الأبيض بسلام الى منتجعه الخاص في فلوريدا وغاب عن حفل تنصيب خصمه بايدن بعد أن تحولت واشنطن الى قلعة أمنية -غير مسبوقة- احتياطاً للحيلولة دون أي ثغرة أمنية تعكر صفو حفل انتقال السلطة. الرئيس جو بايدن استلم مهام جسيمة بسبب سوء إدارة سلفه وبسبب وباء كورونا الذي كلف العالم ما يزيد على مليوني وفاة، منها ما يقارب نصف مليون نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية والعدّاد مستمر.

بدأ الرئيس بايدن الساعات الأولى من ولايته بإصدار قرارات تنفيذية تنقض بعض ما اتخذه سلفه من أهمها عودة الولايات المتحدة إلى منظمة الصحة العالمية ومعاهدة المناخ وغيرها. قد يكون الوقت مبكراً لاستشراف ما سيفعله بايدن وفريقه الذي اختاره ولكن أمريكا ستبقى أمريكا بكل طموحاتها ونظرتها إلى العالم الخارجي إلا أنها في هذه المرحلة من المتوقع ألا تعود بسرعة كما كانت قبل ولاية ترامب الذي أتى نتيجة لمخاض سياسي داخلي أوصله الى السلطة،وبسبب عدم خبرته في إدارة الدولة لم يحسن التصرف في أمور كثيرة، والتاريخ هو الحكم له وعليه.

الأصوات المتشنجة في الحزب الديموقراطي ستحدد الانتخابات النصفية القادمة مدى توجه أغلبية الشعب الأمريكي لمباركة برامجها أو رفضها وقد تكون مفصلية لمستقبل الحزب الجمهوري المنقسم مع وضد ترامب. أوروبا رحبت بجو بايدن لأنه سيعود الى ضرورة العمل وفق الاتفاقات متعددة الأطراف التي يعتمد نجاحها على وجود أمريكا شريكاً رئيسياً ضامناً في النظام العالمي.

هيمنة القطب الواحد لن تعود كما كانت بعد سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا على إثر تفكك الاتحاد السوفيتي لأن الصين قاب قوسين أو أدنى لتجاوز أمريكا اقتصادياً، ومع الاقتصادي القوي تظهر القوة العسكرية.

الحالة العربية ستبقى كما هي بدون انفراج عما قريب ويبقى العرب مثل الأيتام على مائدة اللئام لأن العالم العربي لم يخرج من شرنقة الربيع العربي الذي مهّد له أوباما وبايدن حين كان نائباً له.

العقل والطاقة السياسية في أمريكا متوفرة للعمل على الشأن الداخلي المعقد والتعامل مع العالم الخارجي الذي يعاني من أزمات اقتصادية واضطرابات أمنية وسياسية، ويبقى المحك الرئيسي.. هل تستطيع إدارة بايدن توفير الأموال اللازمة للتصدي للتحديات التي تواجهها داخلياً وخارجياً؟.