كتبت عن الطرشي سابقاً، ولكن الموضوع يستحق أكثر من مقال.. وفي البداية أود أن أوضح أن لا علاقة للمقال بالمخللات.. لا خيار، ولا جزر، ولا فجل، ولا غيره، فهو عن قضية إنسانية خطيرة وهي استخدام الطائرات كقاذفات قنابل لتنفيذ إستراتيجيات تدمير المدن. وما علاقة هذا الموضوع بالمخللات؟.. أشير إلى وجود مفتاح «الطرشي» في معظم الطائرات الحربية التي لديها قدرات قذف القنابل.. تجده في العادة في مكان يسمح للطيار أن يلقي الذخائر بسهولة على الأهداف. وسر الاسم الغريب هو أنه خلال الحرب العالمية الثانية تم تطوير جهاز تصويب بصري أمريكي يتميز بدقة عالية جداً اسمه جهاز تصويب «نوردن» نسبة إلى اسم مخترعه الأمريكي السويسري الأصل. كان بحجم ووزن التيس الصغير.. ومكوناته عبارة عن منظومة ذكية جداً من التروس الميكانيكية، والدوائر الكهربائية، والمرايات، وأجهزة تثبيت الحركة «الجيروسكوب»، والمنصات المغناطيسية. كان يعمل من خلال إدخال سرعة الطائرة وموقعها الأفقي والرأسي، فيتم حساب مسارات القذائف بداخل حاسوب، وتحويلها من خلال عمليات حسابية معقدة إلى مواقع و»شبابيك» زمنية لتحديد نقطة إلقاء القنابل من الطائرة. وتمت المبالغة في وصف دقة الجهاز لدرجة أنه كان قادراً على ضرب قطعة طرشي في برميل مخللات على الأرض من طائرة سريعة على ارتفاع عشرين ألف قدم.. «يعني يعني» أن دقته لتلك الدرجة. ولكن الموضوع كان بعيداً كل البعد عن النتائج المتوقعة. في المسرح الأوربي، كان مستوى الدقة منخفضاً للغاية لدرجة أن القوات الجوية الأمريكية العاملة في المسرح الأوربي كانت تلجأ إلى ضرب مناطق شاسعة نهاراً.. وأما القوات الملكية البريطانية فكانت تقوم بغاراتها على ألمانيا ليلاً بدون الاعتماد على الجهاز...وطبعاً في الظلام الدامس لا مجال لضرب أهداف محددة، ولذا فتم تدمير أحياء، أو حتى مدن بأكملها.. وكانت الفلسفة هنا هي أن جميع السكان مشاركون في المجهود الحربي، وبالتالي فهم جميعاً ضمن فئة الجنود بشكل أو آخر.. والدليل على ذلك تراه في تاريخ دمار المدن الألمانية مثل «درزدن».. و»هامبورج».. و»شواينفورت» وغيرها. وبسبب تسربات أمنية أمريكية وصلت أسرار الاختراع إلى قيادة القوات الجوية النازية «اللوفت وافه» فتم تطوير نسخة ألمانية منه فأصبحت هناك ادعاءات طرشي لدى الأطراف المتحاربة المختلفة.. كل يعتز بطرشيه.. وكلها كانت بدقة متدنية جداً، كما انعكس في دك المدن الإنجليزية من القاذفات الألمانية وفي مقدمتها «لندن»، و»كوفنتري».

بسبب استراتيجية قذف القنابل بدقة منخفضة، كانت الحرب العالمية الثانية من 1939 إلى 1945 هي حرب المدن، فكانت تقديرات قتلى المدنيين هي حوالي 50 مليون مقارنة بحوالي 25 مليوناً من الجنود، وللمقارنة، ففي الحرب العالمية الأولى في الفترة 1914 الى 1918 كانت الحرب معنية بالجنود والمواقع العسكرية.. قتل فيها حوالي 11 مليوناً من الجنود مقارنة بحوالي نفس العدد من المدنيين. وعدد القتلى لا يحكي القصص الكاملة، فأرقام المجاعات والتشرد، والفقر والمرض، وغيرها لا تذكر ضمن إحصائيات الدمار.

أمنيــــة

لقد تشرفت بحمد الله أثناء تدريسي في جامعة الملك عبد العزيز في كلية العمارة والتخطيط قبل حوالي عشرين سنة بالعمل مع مجموعة رائعة من طلبتي في دراسات عن مدن الحرب حول العالم.. من «ستالينجراد» في روسيا، و»برلين» في ألمانيا، إلى المدن الحبيبة الغالية القدس، وغزة، والكويت، وبغداد، وبيروت. أتمنى أن نستفيد من تلك التجارب التي دفعت ثمنها المدن الشجاعة وسكانها الأبرياء.. وفي مقالي القادم، سأتطرق إلى التصعيد التاريخي لحرب المدن، وزوال أسطورة «الطرشي» بمشيئة الله..

وهو من وراء القصد.