قضيت أجمل سنوات حياتي المهنية في رحاب جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية قبل ثلاثين سنة. ومن أجمل الذكريات كانت اكتشاف المفاجآت لبيئتها الغنية. كانت تلك المؤسسة التعليمية العريقة مشبعة بالتاريخ في أماكن غير متوقعة. وإحداها كانت على ملعب كرة قدم يقع بجانب كلية إدارة الأعمال اسمه ملعب «أوهيري». اكتشفت أن تاريخ ذلك الملعب الجميل له بصمة هائلة على العالم، ففي عام 1939 كانت الولايات المتحدة تدرك أن دخولها للصراع الدولي الذي سيصبح الحرب العالمية الثانية قد أصبح وشيكاً، وأن عليها أن تطور تقنيات أسلحتها. اجتمعت أفضل عقول أمريكا في ذلك الملعب من جامعة هارفارد و»معهد ماستشوتس للتقنية» لتجربة فكرة جديدة في مجال النيران. وتحديداً، كان الاجتماع يشمل أفضل علماء الكيمياء للبحث في تطوير استخدام النار في الأسلحة. وتوصلوا إلى تطوير فكرة قنابل حارقة جديدة تتميز بتوليد درجات حرارة مرتفعة جداً تصل إلى حوالي ألف درجة مئوية.. ضعف حرارة شعلة «الدافور»..، وتلصق على الأسطح المختلفة أكثر من شوربة «المقادم» المركزة.. وكانت سهلة التصنيع، والتخزين والنقل، ومنخفضة التكلفة. والخلطة الشيطانية التي تم تجربتها بشكل محدود في ملعب الكرة المذكور هي ولادة قنابل «النابالم» التي غيَّرت تاريخ الحروب في العالم..، وكما ذكرت في مقال الأسبوع الماضي بعنوان «طرشي 2» أن إستراتيجيات دك المدن من الجو كانت قد تطورت خلال الحرب العالمية الثانية بطرق غير متوقعة، وبالذات على مسرح العمليات العسكرية الأوربية. كانت القاذفات الإنجليزية ترمي القنابل على المدن الألمانية ليلاً للحرق بدون مراعاة للدقة في اختيار المواقع، وكانت القاذفات الأمريكية تدك الأهداف الألمانية المحددة نهاراً.. وتوليفة القنابل كانت تدمر من خلال الانفجار، والحرق. وعند انتهاء الحرب في أوربا باستسلام ألمانيا وتحول التركيز إلى مسرح العمليات الآسيوي والهجوم على اليابان، غيَّرت أمريكا استراتيجيتها فأصبح النشاط الأساس للغارات الجوية هو الضرب العشوائي للمدن بدلاً من الضرب المقنن للأهداف العسكرية. وحيث أن المدن اليابانية الكبرى مثل طوكيو كانت تتميز بكثافات سكانية عالية، وبشوارع ضيقة، وببيوت خشبية، فكان الاختيار الأساس في ضرب المدن هو باستخدام القنابل الحارقة، وفي مقدمتها قنابل «النابالم».. وفي ليلة 10 مارس 1945 تم تصعيد مبدأ تدمير المدن العشوائي عندما قامت حوالي 330 قاذفة أمريكية في قافلة جوية يعادل طولها المسافة من جدة إلى الرياض، بدك العاصمة طوكيو فتم تدمير حوالي أربعين مليون متر مربع من المدينة، وقتل أكثر من مائة ألف إنسان، وتشريد مليون إنسان..، وكان عدد القتلى في تلك الغارة يفوق عدد ضحايا أي من غارات الحرب شاملاً ضحايا القنبلتين الذريتين في أغسطس 1945.. واستمرت عمليات دك المدن فضربت حوالي ستين مدينة يابانية بالقنابل الحارقة ودمرت معظمها.. باستثناء مدينتي «هيروشيما» و»ناجازاكي» اللتين أتى دورهما في نهاية الحرب باستخدام القنابل النووية.

وأخيراً، فإحدى القصص الغريبة المتعلقة بتطوير تقنيات النيران هي أن القوات الأمريكية قاموا بتشييد قريتين نموذجيتين بهدف تجارب القنابل الجديدة الحارقة.. وتحديداً قام المعماري «أريك مندلسون» بتخطيط وتصميم القرية الألمانية، والمعماري «أندرو ريموند» بتخطيط وتصميم القرية اليابانية.. تم بناؤهما في صحراء ولاية «يوتاه» الأمريكية في مطلع الأربعينيات بهدف تجارب دمار النيران..، تخيل: المدينتان شيدتا بهدف الدمار الكامل.

أمنيــــــة

إحدى الزهور الجميلة التي تميز الحدائق اليابانية اسمها زهرة «الكرز» أو «ساكورا» باليابانية. تأتي في مطلع الربيع لتعلن وداع الشتاء.. وهي زهرة دلوعة لا تعيش طويلاً. وسبحان الله أن قدومها في شهر مارس 1945 كان مصاحباً لكارثة الغارة الأكثر دماراً في تاريخ البشرية. أتمنى أن ندرس التاريخ بعناية، وأن ندرك أن القوى النووية ليست بالضرورة أن تكون المصدر الأساس للدمار، وأن بعض الدول تتهرب من التوقيع على حظر استخدام قنابل النابالم الحارقة المحرمة دولياً، والله أعلم بنواياهم،

وهو من وراء القصد.