لم تعد الشهادة الجامعية أو المهنية جواز سفر للحصول على وظيفة في القطاع العام والخاص، وقد كانت أحد المتطلبات للوظيفة في القرن الماضي، ولكن الأمر قد تحول من تعليم فقط إلى تعليم ذي جودة يتماشى مع متطلبات العصر الحديث، وهو توجه صحيح تسير عليه السياسات التعليمية في المملكة والتي فصلت العملية التعليمية وأسندتها لوزارة التعليم بكامل المراحل ولجميع المؤسسات التعليمية، وفصلت تقييم وتقويم التعليم عن وزارة التعليم لضمان حيادية تقييم التعليم وإلزامية التقويم، وأنشئت هيئة متخصصة لتقويم التعليم والتدريب تتمتع بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلال المالي والإداري وترتبط تنظيميًا برئيس مجلس الوزراء ومقرها العاصمة الرياض ويجوز لها إنشاء فروع متخصصة داخل المملكة، ولها اختصاصات عديدة من أهمها بناء نظم للتقويم والاعتماد الأكاديمي بما في ذلك المؤسسي والبرامجي في التعليم والتدريب تتضمن القواعد والمعايير والأطر والمؤشرات والشروط والإجراءات الخاصة بها واعتمادها وتطبيقها، وتقويم أداء المدارس ومؤسسات التعليم العالي ومؤسسات التدريب واعتمادها بشكل دوري وفق معايير يعتمدها مجلس إدارة الهيئة، وبناء أدوات القياس في التعليم والتدريب ووسائله وتطويرها، وبناء معايير مناهج التعليم العام بالتنسيق مع وزارة التعليم واعتمادها وتحديثها بشكل دوري، وبناء وتنفيذ المقاييس والاختبارات التعليمية مثل اختبارات القبول في الجامعات والاختبارات الوطنية في مراحل التعليم العام وفي معاهد التدريب.

والحقيقة أستطيع اليوم أن أقول إن جودة التعليم العام والجامعي والتدريب أصبحت تحت المجهر بمراقبة ومتابعة تقويم التعليم عن طريق الهيئة، ولن يعود التعليم العشوائي ولن تستمر مؤسسات التعليم غير الملتزمة بضوابط الجودة، ولن تجدد تراخيص الجامعات والكليات الأهلية غير الملتزمة بضوابط الجودة والحصول على شهادات الاعتماد الأكاديمي من هيئة تقويم التعليم والتدريب، ومن المؤكد أن سياسات الجودة وخطط التقويم ستطبق على الجامعات الحكومية وأتمنى أن تطبق الجزاءات على المخالفين من المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة.

ورغم أن الهيئة الوطنية لتقويم التعليم قد أنشئت منذ سنوات وتعاقب على رئاستها أساتذة من الدكاترة السعوديين وقد أبلوا بلاءًا حسنًا رغم ظروف الهيئة الاقتصادية آنذاك، مما اضطرهم نقل عبئها المالي على رسوم تقويم الجامعات والكليات الأهلية والتي كانت أحد أكبر عوامل عدم قدرة الجامعات والكليات الأهلية على المشاركة في تقويم مؤسساتهم التعليمية، إلا أن الهيئة اليوم قد انتقلت بفكرها الجديد وخططها المستقبلية وبمشاريعها التوسعية وبالاستعانة بكفاءات سعودية للتقييم مما خفض تكاليف التقييم إلى مستويات أصبحت بمقدور جميع الجامعات الأهلية والحكومية تحمل التكاليف والبدء بالتعاون مع الهيئة التي تغير منظورها وفلسفتها من هيئة لتصيد الأخطاء في المؤسسات التعليمية إلى هيئة تحفيزية لتطوير أداء المؤسسات التعليمية وتسخير جميع الإمكانات المتاحة لديها للدعم في هذا الاتجاه، والحقيقة يعود الفضل في هذا التوجه الجديد إلى رئيس مجلس إدارة الهيئة معالي الدكتور أحمد العيسى وزير التعليم السابق، وإلى رئيس الهيئة معالي الأستاذ الدكتور حسام عبدالوهاب زمان صاحب الفكر والإبداع والخلق الرفيع الذي فتح الأبواب لجميع الجامعات الحكومية والأهلية لتبادر بطلب تقييمها وتقويمها، حتى بدأت المنافسة بين الجامعات للحصول على شهادات الجودة، مع قناعتي التامة بأن الهيئة لا تستطيع بحجمها الحالي أو المستقبلي أن تغطي خدماتها حوالى 42 جامعة حكومية وأهلية، وأربعة آلاف ومائتين وثماني وسبعين مدرسة بالإضافة إلى مراكز التدريب، ولهذا فإن اقتراحي للهيئة أن تشرك القطاع الخاص بإنشاء شركات مع الهيئة أو مرخصة من الهيئة للقيام بدور الهيئة في التقييم والتقويم ومراقبة الجودة ومنح شهادات الاعتماد الأكاديمي ولاسيما أن نظام إنشاء الهيئة يسمح بإنشاء الشركات وترخيصها.

كاتب اقتصادي سعودي