هذا الشهر هو زمان مسابير المريخ.. والمسابير على وزن «مسامير» هي جمع مسبار.. وهو المركبة الفضائية غير المأهولة والمسيّرة من بُعد، ويختلف عن القمر الصناعي في أنه يقطع مسافات أطول، وينفذ مهام أكثر تعقيداً.. وخلال هذا الشهر وصلت ثلاثة مسابير مختلفة من دولة الإمارات الشقيقة، والصين، والولايات المتحدة إلى المريخ.. كلها انطلقت في نفس الفترة خلال يوليو 2020 في رحلة طولها التقريبي 493.5 مليون كيلومتر ومدتها سبعة أشهر لتنفيذ مهام مختلفة لاستكشاف المريخ. والسبب في تزامن الرحلات هو اغتنام فرصة «شباك» الإطلاق.. والمقصود هنا هو أن المسافة بين كوكب الأرض والمريخ تتغير لأن كل الأجسام السماوية تسبح في مسارات دقيقة حسب ما أراد لها الله عز وجل، وكان الإطلاق في شهر يوليو 2020 سيسمح بالوصول في فترة تقارب مسار الكوكبين بمسافة لن تتكرر إلا بعد فترة سنتين وشهرين، وميزتها هي توفير الطاقة، وزمن الرحلة، وحمل المزيد من الحمولة. والمذهل في هذه الحملة إلى المريخ هي رحلة «الأمل»، وتحديداً مهمة مسبار «الأمل» الإماراتي الذي وصل بمشيئة الله إلى مداره حول الكوكب الأحمر في 9 فبراير 2021 في تمام الذكرى الخمسين لتأسيس دولة الإمارات الشقيقة. وللعلم، فالوصول إلى المريخ هو من الإنجازات العلمية الرائعة، والأهم من ذلك هو النجاح في القيام بالمهام العلمية المخططة. عدد الرحلات العلمية الناجحة إلى المريخ هي حوالي 23 رحلة فقط بنسبة نجاح تبلغ 50%

فقط من إجمالي الرحلات، والدول التي نجحت في القيام بمهمات على الكوكب الأحمر أو حوله هي الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والهند، و الاتحاد الأوربي. ونجحت الإمارات بمشيئة الله في الوصول في المهمة التي تطلبت أكثر من ألفي يوم للتخطيط، والتصميم، والتصنيع بمجموعة من الكفاءات المتميزة تشمل جهود مائتي شاب وشابة إماراتية بمختلف التخصصات الفنية. ورحلة «الأمل» لن تهبط على سطح المريخ مثل رحلتي «تيان وين» الصينية (ومعناها أسئلة السماء).. ورحلة المريخ 2020 الأمريكية. سيقوم مسبار الأمل بالطيران في مدار حول المريخ لمدة حوالي سبع مائة يوم لدراسة المناخ المريخي بطرق إبداعية رائعة. تشمل تلك المهام تحليل التغيرات المناخية على الارتفاعات المختلفة، وسيقوم أيضاً باستشعار تركيز ثاني أكسيد الكربون، وتسرب غازي الهيدروجين والأكسجين إلى الفضاء الخارجي، وتركيز المياه في حالاتها المختلفة، وأعماقها المختلفة، ورصد الغلاف الجوي شاملاً تغير درجات الحرارة، والرياح، وأنماط حركة وطبيعة الغبار. ويشمل تصوير الكوكب بدقة باستخدام الكاميرات الدقيقة، وأحدث أجهزة الاستشعار لقياس طيف الموجات تحت الحمراء، وفوق البنفسجية. والمتوقع أن هذا سيفتح أحدث الأفق البحثية عن المريخ وسيجيب على آلاف الأسئلة بدءاً من وصوله إلى مدار الكوكب.

أمنيــــــة

من روائع استكشاف الفضاء أنه يجبر الناس للنظر إلى السماء، ولرفع رؤوسهم إلى الأعلى. والعالمان الإسلامي والعربي بحاجة ماسة للمزيد من العناصر الرافعة لرؤوسنا جميعاً، وهناك المزيد: تخيل تأثير مشروع مسبار «الأمل» ونتائجه على القدرات العلمية الإسلامية والعربية.. عدد الطالبات والطلاب الذين سيتجهون إلى السعي العلمي الجاد بسبب هذه الرحلة.. وعدد المشاريع العلمية التي ستطرح في المدارس والجامعات.. وعدد الأبحاث العلمية بسبب هذه الجهود. كل هذا سيصب إن شاء في التحول نحو مجتمع المعرفة. أتمنى أن توفق رحلة الأمل في كامل مهمتها العلمية. وفي الأول والأخير الشكر لله، ثم للإمارات الشقيقة على هذا الإنجاز الحضاري الرائع، وندعو لهم بالمزيد من التألق بمشيئة الرحمن،

وهو من وراء القصد.