تتهكم طائفة من الناس على مستوى بعض الأسئلة التي يعتقدون أنها لا تستحق عناء دقيقة واحدة للإجابة عليها بجدية وموضوعية.. ناهيك عن تقديم إجابة شافية كافية أو الاعتذار بلا أعلم مع وعد بالبحث والتحقق.. المفارقة أن هؤلاء المتهكمين يقضون وقتًا بعد السؤال في تقييم السائل والحكم المطلق عليه من خلال نافذة سؤاله الذي لم يتعدَ عشر كلمات.. بل أن منهم من يتعجب لدرجة الصدمة ويصدم لدرجة الغضب ويغضب لدرجة الهذيان بمجرد طرح السؤال منحرفًا به إلى أبعد مما يجب.. كاتهام بالكفر ووصف بالجنون لأن السؤال كان خارج دائرة متلقي السؤال العلمية والفكرية.

قال عز وجل (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فمهما كان السائل فلن يبلغ منزلة إبراهيم عليه السلام ومهما كان متلقي السؤال فلن يحيط بكل شيء علمًا ولله المثل الأعلى، وبرغم ذلك أتى الجواب من الله عز وجل بلا تجاهل أو توبيخ.

في تراثنا الإسلامي يستشهد كثير بقصص الإمام أبوحنيفة النعمان أول الأئمة الأربعة وأكثرهم فضلًا وعلمًا.. ولكن قصتنا اليوم تبين أن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة، وأننا لسنا بمعصومين عن الخطأ أو منزهين عن الانتقاد البناء بلا جرح وقدح.. تقول إن صحت الرواية الشهيرة باختصار شديد أنه بينما كان أبوحنيفة يتدارس مع تلاميذه استأذنهم ليمد رجليه فأذنوا له وبينما هو كذلك أتى رجل عليه سمات الوقار والهيبة فاستحى أبو حنيفة وثنى رجليه.. سأل الرجل أبا حنيفة: متى يفطر الصائم؟ فأجاب أبوحنيفة: إذا غربت الشمس، فقال الرجل: وإذا لم تغرب شمس ذلك اليوم، فقال أبوحنيفة عبارته الشهيرة: آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه.

أما اليوم فلو علم أبوحنيفة لخجل من فعلته وذلك لصحة السؤال.. فكما نعلم أن شروق الشمس في قطبي الكرة الأرضية يستمر إلى ستة أشهر متتالية كما ان في دول كالنرويج وفنلندا وآيسلندا يصل طول النهار إلى ٢٣ ساعة في اليوم.

فضلًا عن صحة السؤال فإن:

* أبو حنيفه احترم الرجل لمظهره واحتقره لسؤاله، إن احترامنا للآخرين مُنطَلقُه احترامنا لأنفسنا ففي كل الظروف يجب أن لا نجعل مستوى عقول الآخرين أو مظاهرهم سببًا نتخلى فيه عن أخلاقنا.. أتذكر قصة المأمون عندما أساء خادمه أسلوب الرد عليه فقال المأمون إنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتَحْسُنَ أخلاق خدمنا.

* عدم الموضوعية وتجاهل الإجابة على السؤال والاكتفاء بمد الأرجل تصرف فيه تجاهل وتهكم.. كانت الإجابة غير متوافقة لا منطقيًا ولا أخلاقيًا مع السؤال.. إن دور المعلم تقديم إجابة مجردة من كل اعتبار هدفها الأساسي إجابة السائل عن سؤاله لا تقييمه.

* إنه مهما بلغنا من العلم فقد عرفنا شيئًا وغابت عنا أشياء، فكما قال الإمام الشافعي كلما ازددت علمًا ازددت علمًا بجهلي.. فلا يصح أن نجعل من علمنا المحدود ومعرفتنا المتواضعة المسطرة التي تقاس بها العقول.. إن تواضع العالم من أهم عوامل نقل المعرفة واثرائها ومن التواضع عدم التحيز بكافة أشكاله.

* لو افترضنا جدلًا تفاهة السؤال فهذه إمكانيات السائل وحدود معرفته التي يجب أن تراعى، فالأولى أن يُعامَل السائل من باب قل خيرًا أو اصمت.. إن من أهم مسببات التنمر اليوم هو تهكم المعلم على مداخلات الطالب أمام الآخرين وكذلك المدير في عمله والأب في منزله، فمازلنا حتى اليوم نتنمر على ذلك الرجل بقولنا آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه.

ختامًا، من غير المنطقي الحكم على الأشخاص من خلال أسئلتهم، فكما قيل ليس هناك أسئلة خاطئة ولكن هناك إجابات خاطئة.. أحيانًا يتبنى الشخص فكرة لا تعبر بالضرورة عن رأيه الشخصي ولكن بهدف إثراء النقاش واستلهام الأفكار.. إن السؤال هو الأداة لكل شغوف يبحث عن المعرفة ويحب الاكتشاف، فلنهتم بأسئلة السائلين فلربما حملت ضياءً نستنير به في رحلة المعرفة والإبداع.