هي من الكلمات الحجازية القديمة بمعنى الأجوف، وتصف ما يبنى على الأسس الركيكة. وأحد أهم تطبيقاتها الرائعة الغريبة يأتينا من عالم الفضاء.. وتحديداً، في بداية تاريخ استكشاف الفضاء في 4 أكتوبر 1957 عندما أطلق الاتحاد السوفييتي القمر الصناعي الأول واسمه «سبوتنك 1» ومعناها الرفيق الصغير ليدور حول الأرض على ارتفاع حوالي 215 كيلومتراً وبسرعة 28 ألف كيلومتر في الساعة.. وكان يعلن عن وجوده بالبث على موجات الراديو فيطلق بعض الأصوات العجيبة وكأنه يقول «وخّر». وكانت مفاجأة للعالم، وصفعة للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تتقدم العالم في المجال، ولكنها تأخرت في إرسال أي مركبة إلى الفضاء الخارجي. وتابع مئات المختصين والهواة حركة «الرفيق» الذي كان يدور مرة حول الكرة الأرضية كل تسعين دقيقة. وفي معمل الفيزياء المتقدم في جامعة «جونز هوبكنز» في شرق الولايات المتحدة قام العالمان «جاير» و «ويفن باخ» بإيجاد آلية ذكية جداً لتتبع «الرفيق» بدقة فوضعا خوارزميات متقدمة لرصد موقعه، وسرعته، وارتفاعه. ولم يكتفيا بذلك، فقاما بإيجاد آلية لتحديد موقعهما على الأرض بدقة من خلال استقبال إشارات القمر السوفيتي. واستغرب رئيسهما في المعمل هذه الخطوة العجيبة.. لاحظ أنهما استخدما القمر لمعرفة موقعهما على الأرض بدقة فكان السؤال هنا هو: «هل من المعقول أنكما لا تعرفان موقعكما؟» ويقع هذا السؤال في صميم تعريف السبهللة.. والواقع أن هذا السؤال أصبح جوهر أحد أهم الاختراعات الحديثة في تاريخ البشرية. وسأعود إلى تفاصيله بعد 107 كلمات من هذه النقطة.

قبل أن أبدأ هذا المقال مباشرة، طلبت وجبة دجاج وبسبوسة من أحد مطاعم جدة العزيزة...راجياً أن تصل إلى منزلي بسرعة لتؤكل وهي طازجة وساخنة... والأهم من ذلك هو أنني وأبنائي في حالة جوع شديد.. والمذهل هنا هو أن إحدى مكونات طلبي سجلت عبر أربعة أقمار صناعية تحوم على ارتفاع حوالي عشرين ألف كيلومتر فوق سطح البحر لتحدد موقعي: نقاط الطول، والعرض، والارتفاع، والزمن.. وهذه الأربعة أقمار هي ضمن منظومة 32 قمراً صناعياً تدور حول كوكبنا طوال اليوم، وكل يوم... بدون ملل أو كلل لتربط أكثر من بليون جهاز أرضي بهذه الشبكة الرائعة.. حقائق أغرب من الخيال تصف نعمة كبرى من نعم الله التي لا نفكر في روائعها...وهناك ملايين الطلبات المشابهة لطلبي الآن... كلها بدأت بفكرة سبهللة العالمين المذكورين في الخمسينيات.. وبعدها قامت البحرية الأمريكية بتجربة فكرة مقترحهما للنظام الملاحي باستخدام المركبات الفضائية. وبعد ترسيخ الفكرة بنجاح أصبحت من أساسيات الملاحة للقوات العسكرية الأمريكية في البر، والبحر، والجو. وعبر السنين خضعت للتطوير المستمر فتم إرسال المزيد من الأقمار الصناعية بتقنيات متقدمة، ولكن الموضوع بقى ضمن الترسانة العسكرية الأمريكية السرية إلى عام 1983.. وجاءت بعدها نقاط تحول تاريخية كثيرة ومتتالية ومنها تطوير الحواسيب، والدوائر الإلكترونية المتكاملة، وأنظمة الاتصالات وبالذات الهواتف المحمولة الذكية. وكانت الساحة التجريبية لهذه المنظومة الرائعة هي حرب تحرير الكويت الشقيقة عام 1991 لأنها كانت الحرب الفضائية الأولى الشاملة في تاريخ البشرية، فقد دارت معاركها المختلفة باستخدام نظام أقمار تحديد المواقع.. نفس فكرة توصيل الوجبات لمنازلنا بإرادة الله.

أمنيــــــــــــة

المنظومة التي يعتمد عليها العالم اليوم لتحديد المواقع تعتمد على النظام الأمريكي العالمي لتحديد المواقع Global Positioning System (GPS) والتي بدأت بالسبهللة، إلى الاستخدامات العسكرية، ثم المدنية. وهناك أيضاً النظام الروسي «جلوناس»، والأوربي «جاليليو»، والصيني «بيدو».. وقريباً المنظومة الهندية أيضاً. وللعلم فهناك اعتبارات مهمة متعلقة بالخصوصية يجب أن تراعى في هذه الأنظمة، ولذا، فأتمنى أن يدرس العالم الإسلامي والعربي تأسيس نظام خاص به.. وسأتوقف هنا فقد وصلت وجبة الدجاج إلى منزلي بمشيئة الله.. وهو من وراء القصد.