لم يمُتْ من خلّفت أعماله

أثرًا يبقى ولم يلق اغترابًا

يا أيها الراحل الكبير: من أين أبدأ ؟

نعى الناعي وفاة معالي الشيخ أحمد زكي يماني يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر الله المحرم رجب عام 1442هـ، كان في المستشفى بلندن، عندما اشتد عليه الحال، وبدَت للأطباء مؤشرات النهاية، بضعف مُتناهٍ للجسم، وبدخوله فى إغماءات متقطعة، فكان عندما يفيق يكرر لا إله إلّا الله.. لا إله إلا الله، وهذا ما أعلم من البشريات بحُسن الخاتمة، ففي الحديث الشريف تقول سُعْدَى المريّة زوج طلحة بن عبيدالله رضى الله عنه: مَرّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه بطلحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مالك كئيبا؟ أساءتك امْرَةُ ابن عمك - يَعنِى أبى بكر الصديق رضى الله عنه بعد أن بويع بالخلافة فقال طلحة: لا، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّي لأعلم كلمة لا يقولها عبدٌ عند موته إلّا أشرق لها لونه، ونفّس الله عنه كُربته»، فقال عمر: إني لأعلم ما هي؟ قال وما هي؟ قال: تَعلمُ كلمة أعظم من كلمة أمَرَ بها عَمّه -أبوطالب- عند الموت: لا إله إلّا الله، قال طلحة: صدقتَ وهيَ والله هِيَ..، وفي رواية أخرى قال طلحة بن عبيد الله: معاذ الله، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني لأعلم كلمة لا يقولها عند موته إلّا كانت له نورًا لصحيفته، وإن جسده وروحه ليجِدان لها رَوْحا عند الموت، أي رحمة ورضوانًا، وهكذا فاضت روح الشيخ أحمد زكي إلى بارئها فجر ذلك الصباح بهذه الخاتمة: بنطق كلمة التوحيد وهو يَحْتضِرْ، تلك الكلمة التي كان صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يقولها عمّه -أبوطالب وهو يحتضر- ليشفع له بها يوم القيامة عند الله، وفي رواية -أبي داود- في سننه عنه صلى الله عليه وسلم: «من كان آخركلامه لا إله إلّا الله دخل الجنة».

وهكذا شيعنا ونحن في هذا الظرف الاستثنائي من التزام الاحترازات الضرورية لمواجهة ما نزل بالعالم ومنه بلادنا حرسها الله من وباء هذا الفيروس صرفه الله عنا وعن المسليمن وعن العالم أجمع.

*شيّعنا * فقيدنا معالي الشيخ أحمد زكي إلى مثواه الأخير في مقابر المعلاة، حيث دفنت أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى زوج النبي صلى الله عليه وسلم، دفن في شعبة النور، حيث دفن والده وأجداده، ومن قبلهم الكثير من كرام الصحابة رضوان الله عليهم، وكذا آلاف العلماء والمصلحين ممن وافتهم المنية بمكة المشرفة.

*غادر دنيانا * الإنسان صاحب الخلق الكريم الفاضل والعمل الصالح والنفس الكبيرة الشيخ أحمد زكى يماني، وستبقى معنا سيرته الطيبة العطرة وخزينة واسعة من أعماله الجليلة، تُسرّي عن زوجه وأبنائه وأقاربه وأصهارهم أحزان فقده، وقد كان بيننا قبل أن يحجزه المرض عنا نجمًا مضيئًا، يفيض ودًا ومحبة ولطفًا، ويملأ حديثه العذب فضاءنا مسرة وبهجة .

أريد أن أعتذر للقارىء الكريم عن عجزي عن جمع شتات أفكاري، فالمصاب جلل، والكتابة عن فقيد الوطن تطول، ولا أستطيع الإحاطة بما ينبغي أن يُكتب عن حياة رجل كبير جليل من رجالات هذا الوطن، فالاختصار يُشوه جمال الصورة، والتطويل يستحيل أن يحيط بكل شيء، وكيف ذلك والفقيد بدأ حياته فخدم زهرة شبابها ومراحله الأشُد قريبًا من ملوك مملكتنا العربية السعودية: مع الملك فيصل ومع الملك خالد ومع الملك فهد رحمهم الله وأسكنهم فسيح جنته.

*- هل أكتب* عن مراحل عمله هذه !!

*- هل* أتناول إنجازاته، ومن أيها أبدأ !!

*- هل* أبدأ بدوره في وزارة البترول والثروة المعدنية داخل الوطن، وتحمله مسئولية إنشاء مصافي التكرير الوطنية العملاقة لتخدم اقتصاد البلاد ولتتيح فرص عمل للمواطنين.

*- هل* أبدأ بدوره في وزارة البترول والثروة المعدنية، وتحمله مسؤولية مكانة المملكة البترولية في الخارج وفي المنظمات البترولية الدولية (أوبك وأوابك وغيرهما)، وفي أسواق النفط العالمية، مدافعًا عن مصالح المملكة الذاتية، موازيًا إياها بمصالح المستهلكين: فلا ضرر ولا ضرار بتوجيه من ملوك المملكة !!

*- هل *

أرصد مكانته في إعلام الطاقة مدافعًا عن وجهة نظر المملكة بلسان فصيح وبليغ ومقنع، من خلال أحاديثه لوسائل الإعلام المختلفة المحلية والعالمية، وأزمات البترول التي مرت بالعالم خلال وبعد فترة عمله الطويلة، فكان فيها نجمًا في سماء العالم!!

*- هل أكتب* عن دوره التعليمي منذ شارك في التدريس بجامعة الملك سعود بداية تأسيسها، أو عن تأسيس كلية البترول التي تطورت إلى جامعة البترول والمعادن، أو عن محاضراته العديدة في معظم الجامعات العريقة والمراكز والمعاهد والمحافل المتخصصة في العالم وما تركه من صيت ومكانة أكاديمية في الفضاء الجامعي !!

*- هل أكتب* عن دوره الاجتماعى في بلاده، وحضوره وقربه من كل طبقات المجتمع: مواطنين، وعمد ومسؤولين وأدباء، يشاركهم أفراحهم وألعابهم الشعبية !!

*- هل أكتب* عن إسهاماته الثقافية: عن تأسيس جائزة شاعر مكة السيد محمد حسن فقي التي عرفت أدباء العالم العربي على مكانة هذا الشاعر المكي بين أدباء الوطن الكبير!!

*- هل أكتب* عن مؤسسة الفرقان في لندن وما تقوم به لخدمة تراث مكة المكرمة المكتوب والمصور، هل أتحدث عن موسوعة مكة، التي أخذت مكانها في التعريف برجلات العلم والأدب في العالم الإسلامى!!

*- هل أكتب* عن صالونه الأدبى بجدة الذي يحتضن نخبة من أبناء الوطن في جلسات أسبوعبية!!

*- هل أكتب* عن علاقته بالعلماء، ودوره في تأصيل فقه الاعتدال !!

أنا أستعرض هنا بعضًا من هذه المجالات التي يشكل تناولها جانبًا من حياته -رحمه الله- الحافلة بالحيوية والنشاطات.

ماذا ترك لنا مصابنا في فقد معالي الشيخ أحمد زكي يماني -رحمه الله-، يقول الشاعر السيد محمد حسن فقي رحمه الله:

جَلّ هذا الرُّزْءُ أن يُدعى مُصابا

إنه أمرٌ حَنّى مِنّا الرّقابا

ويْحُ نفس كلما عزيتها

أمطرت دَمْعاً وقالت لن تُجابا

لم يمُتْ من خلَّفت أعمالُه

أثرًا يبقى ولم يلق اغترابًا

فهو عند الناس فذٌ نابغٌ

يرتدي من صادق الحمد ثِيابا

أنا أطرح هذه العناصر التى لا شك سيتناولها محبوه في تأبينه، لكني أقف عاجزًا في هذا اللحظة من أين أبدأ؟، وألم فقده أتخوف معه ألّا أوفّي هذا الفذ النابغة حقه، ويقيني وجود من هو أقدر مني على ذلك من محبيه: زملاء، علماء، فقهاء، أدباء، شعراء، متخصصين في علوم الإدارة والطاقة والاقتصاد والسياسة، يقول شاعر مكة المكرمة السيد محمد حسن فقي رحمه الله في إحدى مراثيه..

أيها الراحل الكبير طُرُوسي

قد جفّت كما جَفَتْني المحابر

عزّني القول والمجال رحيبٌ

واْلتَوت في مواردي والمصادر

غيّبَ الموت مشهدًا وحديثًا

وأجَدّ الهوى وأبقى الأواصر

رُبّ قبرٍ يَتيهُ مجدًا على الصّرحِ

بما ضَمّ من جليل المآثر

ونحن نوسده التراب، وندعو له بالتثبيت على كلمة التوحيد، يمربنا شريط متطاول لسنوات عشنا معه، وحوله، وقريبًا منه حسب ما تسمح به الظروف، وما نذكر إلّا بما علِمنا منه وعنه، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على حسن الخلق، وبيَّن مكانته وجزاءه عند الله فقال: « أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خُلقًا»، وقال: «خياركم أحاسنكم أخلاقًا»، وقال: «البر حسن الخلق»، وقال: «إن أفضل ما يوضع فى الميزان يوم القيامة الخُلق الحسن»، وقالت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: «ما دعا رسولَ الله أحدٌ من أهل بيته ولا أحد من أصحابه إلا قال له: «لبيك، ولذلك أنزل الله تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم»، قال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «التوفيق خير قائد، وحُسن الخُلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا ظهر أفضل من المشورة، ولا وحشة أشد من العُجب»، وفي أدب الدنيا والدين للماوردي: «إذا حسُنت أخلاق الإنسان كثُر مُصَافوه، وقلّ مُعادوه، فتسهّلت عليه الأمور الصعاب، ولانت له القلوب الغِضاب»..

وأخيرٍا أجد من الواجب أن أنوه بالإشادة في خاتمة هذا التأبين عن وفاء المرأة الفاضلة، والزوجة الصالحة التي تظلها كلمات الهادي البشير صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن الصالح بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمَرَها أطاعته، وإن نظرإليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته فى نفسها وماله»، تلك هي السيدة تمام بنت محمد العنبر أرملة معالي الفقيد الشيخ أحمد زكى يماني رحمه الله، التي شُهد لها بالوفاء النادر مثله لزوجها الفقيد رحمه الله طوال سنوات مرضه في الغربة، مُحتسبة صابرة لا تتأفف من سهر يحتاجها فيه، ولا من يقظة يتطلبها، حاله خاصة في السنوات الأخيرة من حياته، وهو موقف نبيل، يدل على معدن أصيل، إن في وفائها لزوجها رحمه الله ظلال يستظل بل يُقتدى بمثله.

أختم بتقديم خالص العزاء إلى أسرة الفقيد عامة، ولكل زملائه وأصدقائه في المملكة وفي أطراف العالم كله..

والحمد لله على كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.