بناء شخصية الطفل الاجتماعية والنفسية والتعليمية تعد مسؤولية كبيرة على عاتق الأسرة حتى تصل به إلى سن البلوغ، وهو قادر على مجابهة الصعاب وتحمل المسؤولية فيستفيد منه المجتمع ويستطيع أن يُكوِّن أسرة جديدة ويكون النجاح حليفه طوال حياته.

ورغم الحرص الشديد من الآباء والأمهات على ذلك إلا أنهم يجدون أنفسهم في كثير من الحالات أمام صدمة "الاضطرابات النفسية" للأبناء، والتي تظهر بشكل جَليٍّ في مرحلة المراهقة وما بعد البلوغ، ويكون علاجها في هذا الوقت قد تأخر كثيرًا خاصة وأن بذورها وضعت من عمر الطفولة ولم ينتبه إليها أحد.

تقول الباحثة والأخصائية النفسية إيمان بايونس، إن فترة الطفولة تعتبر من فترات النمو الهامة، حيث يتحدد خلالها الأسلوب الذي سيسير عليه الطفل مستقبلًا، وبالتالي المجتمع يجب أن يكون واعيًا بما يمر به الطفل من اضطرابات نفسية، وأهمية التعرف عليها منذ وقت مبكر، من أجل معالجتها والتخفيف من سلبياتها مستقبلًا.

صور الاضطرابات

وتوضح بايونس، أن الاضطرابات النفسية الشائعة لدى الأطفال لها صور مختلفة منها: اضطراب في التغذية، ومزاجيتهم ونومهم، بجانب الاضطرابات النمائية وشعورهم بالقلق والاكتئاب.

ولكل سن معين مظاهر مختلفة عن الآخر، ويبقى الدور الأهم على الأهل بملاحظة أي متغيرات على أطفالهم، خصوصًا السلبية منها،

ويجب علينا الانتباه إلى أن شخصية الطفل تتأثر ببيئته المحيطة بشكل كبير، وغالبًا ما تكون المشكلات النفسية ناشئة من شخصية الوالدين أو أحدهما، فإذا عانى أحد الوالدين من الشقاء والحرمان من العطف والحب في صغره فيكون قاسيًا غليظ القلب فيكون لذلك أسوأ الأثر في تربية الأطفال.

أو أن ينشأ أحد الأبوين في بيئة تعتمد الضرب والقسوة والعقاب أسلوبها التربوي، ولم يتعلم الأب أسلوبًا آخر ولم تتح له الفرصة ليتعرف على الأساليب الأخرى أو معرفة عواقب التعنيف على أطفاله، فيُطبق الطريقة نفسها على أولاده.

تنبيه مبكر

ويمكن اكتشاف إذا ما كان يعاني الطفل من اضطرابات نفسية، وذلك من خلال امتناعه عن الذهاب للمدرسة، وسوء علاقته بأصدقائه، وضعف تحصيله الدراسي، وقلة التركيز.

كما يمكن للنشاط الحركي الزائد مقارنةً بغالبية الأطفال في سنه، أن يكون إشارة تنبيه مهمة على بداية الاضطرابات النفسية، وكذلك اضطرابات النوم مثل الأرق الزائد، والإفراط في النوم، وتكرار التعرض للكوابيس، بالإضافة إلى اضطرابات الأكل كفقدان الشهية، والأكل بكثرة، واختلاف سريع في الوزن، أو الخشية من ازياد الوزن.

ويجب الانتباه كذلك إلى التغير في الحالة المزاجية لدى الطفل وظهور علامات الخوف أو القلق الزائدين عن الحد الطبيعي، أو الشعور بحزن واضح وميل للبكاء، وفقدان الاهتمام بأنشطته المفضلة وبأصدقائه، وميله بقوة للسلوك العدائي والتدميري تجاه الممتلكات والأشخاص مثل الميل لإشعال الحرائق، والتهديد المستمر بالهرب من المنزل، وأيضًا العناد الزائد وهنا علينا التمييز بين ميل الأطفال للرفض وإثبات الذات والعناد الشديد مع الإضرار بأقرانهم أو بالمرافق العاملة.

ومن المظاهر الدالة كذلك على الاضطرابات النفسية لدى الأطفال، تعلقهم الزائد بوالديهم والخوف المبالغ وغير المبرر من فقدانهم، ووجود اختلاف علاقاتهم مع أقرانهم، والرغبة في الانعزال عن عائلاتهم وأصدقائهم ومن الأعراض التي قد تصاحب ذلك هي أحلام اليقظة، والرغبة في الإضرار بأنفسهم أو غيرهم، وعدم الاستعمال الجيد للعلاجات الطبية.

ويفضل أن يستعين الوالدين بمختص نفسي لدراسة وضع طفلهم في حال لاحظوا تغييرات في سلوكه، وذلك من أجل معالجة الوضع قبل أن يتطور لما هو أسوأ، حيث أن التدخل السريع يساعد بفعالية في عدم تضاعف الاضطراب ليصل إلى عقدة نفسية.

وكلما كان اكتشاف المشكلة مبكرًا كان العلاج أيسر والتعافي أسهل لنصل بأبنائنا إلى بر الأمان، وتجنُّب إصابة أي منهم باضطراب يهدد صحتهم النفسية ويُعيق نموهم السويّ.

كما أن كل الأسر عليها واجب التعرف على مبادئ وأساليب التربية الإيجابية وتلبية احتياجات الأبناء العاطفية والنفسية وحل المشاكل التي تواجههم أولًا بأول حتى لا يقتربوا من مساحة "الاضطراب النفسي"، فمما لا شك فيه أن "الوقاية خير من العلاج".

كما تجدر الإشارة إلى أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية توفر خدمات الإرشاد الأسري والاجتماعي للوقاية من العنف وكذلك تلقي البلاغات عبر مركز بلاغات العنف الأسري 1919 على مدار 24 ساعة طيلة أيام الأسبوع.