فيروس كورونا (كوفيد-19) ليس فحسب شلَّ اقتصاديات العالم ودمَّرها بل هدد حياة الإنسان وقتل من البشر أعداداً كبيرة، وفق تقرير «البي بي سي عربي»، الذي يشير إلى البيانات التي تنشرها جامعة جون هوبكينز، «حيث تجاوز إجمالي عدد الوفيات بسبب فيروس كورونا، في العالم، حاجز المليونين، وهو ما يفوق عدد الوفيات الناتجة عن أمراض الأيدز والملاريا، والكوليرا، والإنفلونزا بأنواعها مجتمعين في نفس الفترة»، المصدرالبي بي سي. وإذا تركنا جسم الإنسان جانباً واتجهنا إلى العقل، حيث إن أي كائن حي فيه عقل وفيه جسم كل يؤثر بالآخر، فإن تأثير فيروس كورونا على العقل (النفس) أشد وقعاً. حيث أن التباعد الاجتماعي والعزلة الاجتماعية، وشل حركة الإنسان وتعطيل إنتاجيته، وجعله يعيش مغترباً عن نفسه، كما يقول الفيلسوف والعالم «إيريك فروم»، وذلك بدخول الآلة التي حلت محله فأفقدته عمله ومصدر رزقه. كلام هذا العالم والفيلسوف قبل أكثرمن خمسين سنة يترجمه لنا الآن كوفيد-19 بحذافيره، فأصبحت الأعمال تدار عن بعد عن طريق الآلة، فاختصرت الحاجة إلى الموظفين والعاملين، وتم تسريح أعداد كبيرة منهم، وتم قفل شركات ومؤسسات صغيرة ومتوسطة وكبيرة بسبب «جائحة» كورونا، وأصبح التعليم عن بعد فأضعف مخرجات التعليم، وسوف يضعفها أكثر إذا استمر هذا الفيروس القاتل دون احتواء من قبل المؤسسات الصحية الدولية. نعود إلى العقل وكيف أن الإنسان فقد مقومات الحياة الطبيعية من عمل وإنتاج وترفيه وتكوين أسرة، فأصبح هذا الفيروس مهدداً للصحة النفسية للفرد، فالعزلة الاجتماعية والتباعد الاجتماعي، وحرمانه بسبب هذا الفيروس من العمل والمشاركة الاجتماعية، والتفاعل مع المجتمع، والترفيه والتنقل والسفر، طورت لديه أزمات نفسية شديدة كالقلق والاكتئاب والمخاوف المرضية النفسية «الفوبيا»، وغيرها من المشاكل والأمراض النفسية الأخرى . فالصحة النفسية، كما يراها العالم النفسي، وأبو علم النفس «سيجموند فرويد»، ترتكز على مقومين رئيسيين هما (القدرة على العمل والإنتاج، والقدرة على الحب والزواج). ومن يلحظ نفسيات الناس هذه الأيام، وفي مجتمعنا على وجه الخصوص، يجد سرعة الاستثارة على أتفه الأسباب، وسرعة الغضب، والانفعال الحاد، وكثرة المشاكل الاجتماعية، والديون، فارتفعت أعداد القضايا في المحاكم، وأصبحت المحاكم تستقبل الدعاوى على منازعات حقوقية، وعلى مستحقات متأخرة من إيجارات وفواتير والتزامات عقود مالية وغيرها، مما شكل ضغطاً غير مسبوق على المحاكم، وأصبحت لا تستطيع متابعة القضايا لكثرتها!.

كثرت المشاكل الاجتماعية بسبب تواجد جميع أفراد الأسرة في بيت واحد لفترات طويلة، فبدلاً من أن يقضي الإنسان في منزله قرابة نصف الوقت (12 ساعة) أصبح يقضي فترات أطول بنفس الروتين الممل والرتيب مع وجود كبار أو أطفال يحتلون الغرف، وأجهزة الحاسب للتعليم عن بعد، والبعض من الطلاب والطالبات أصبح لديهم التشتت وعدم التركيز على الجرعات التعليمية التي تعطى لهم عن بعد، بل إن البعض منهم يقفل «الميكرفون» ويستغل هذا التعليم عن بعد بسبب جائحة كورونا في الدردشة الجانبية مع آخرين، والدخول على مواقع قد تجعله ينحرف فكرياً أو سلوكياً.

تأثير العقل «النفس» على الجسم معروف وموثق علمياً وبحثياً أطلق عليه علماء النفس وبالإنجليزية (سيكو سوماتيك)، أي تأثير العقل على الجسم. الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى «كائناً اجتماعياً» يأنس للآخرين، قال تعالى:

(وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).

نخلص إلى القول إن جائحة «كوفيد-19» أثَّرت على الجسم والعقل معاً وجعلته حبيس ليس فحسب البيت بل حبيس مخاوفه وهمومه وأفكاره والتي من الصعب الانفكاك عنها على المدى القريب أو المتوسط أو حتى البعيد. كارثة وبائية لا يمكن للعقل البشري أن يتخيلها أو أن يتنبأ بها في هذه الألفية الجديدة.