فرح المعلمون بفكرة التعليم عن بُعد، لأنه أتاح فرصة التعلُّم الذي يربط بين المعلم والمنزل، مما أعطى العملية التعليمية قيمة وأسبغ عليها صفة المسؤولية الجماعية لإيجاد الدافع لتوفير المناخ الملائم للتعليم.

أدرك المنزل حجم معاناة المعلمين التي يجهلها بعض أولياء الأمور بعد أن فرضت الأزمات والجائحة التي يمر بها عالمنا اليوم ضرورة الاستفادة من المعرفة اعتماداً على الذات وتطوير مهارات التعليم الذاتي.

هذا لا يعني غياب سلبيات التعلُّم عن بُعد، إلا أن عدد الإيجابيات يفوق بدون جدال، من بينها توظيف التقنية في التعليم بدلاً من استخدامها للترفيه أو برامج التواصل الأخرى. ومن الإيجابيات تنوُّع الأدوات والوسائل التعليمية.

وقد أورد أحد معلمي المرحلة الثانوية أن التعلم عن بُعد ينمِّي في المتعلم مهارة التعلُّم الذاتي، رغم وجود تفاوت بين المتعلمين حسب العمر ومرحلة التعليم. وهناك بعض من أولياء الأمور يزعمون أن الصغار لا يمكن لهم تحقيق التعلم الذاتي، في الوقت الذي أثبتت التجارب أن هؤلاء الصغار يمارسون هذا النوع من التعلم بشكل احترافي، ولا بد أن تتولد القناعة لدى المعلمين أنفسهم وأولياء الأمور معاً لإتمام هذا النوع من التعليم بنجاح وخلق الحوافز والدافعية لدى المتعلم حتى لا تظهر مستويات متدنية لدى الطلاب. وانتهى معلم الثانوية قائلاً: الأفضل في نظري هو الجمع بين التعليم الحضوري والتعلم عن بُعد، إن سمحت الظروفُ بذلك.

هناك من ينظر لمزايا التعليم عن بعد من منظور اقتصادي بحت، لأنه يقلص التكاليف والمباني والتجهيزات المدرسية، وإن كان يحرم الطالب من خبرات تعليمية وتربوية ومهارات اجتماعية وكثيرٍ من المواقف المتنوعة داخل المدرسة. وقد ظهر قبل عامين -أي قبل الجائحة- كتابٌ صدر عن الدار العربية للعلوم بعنوان: (التربية في الحقبة الرقمية) ، كانت المؤلفة (ميندي ماكنايت) تهدف من خلاله إلى مساعدة الآباء والأمهات في التعامل بشكل مدروس مع العالم الرقمي، وضرورة أن يكون الأهالي «رقميين» -كما وصفتهم-. وقد حرصت المؤلفة على تجسير المسافة التي تصل بين العالم ما قبل الرقمي والعالم الرقمي.

كما أن الدكتور فيصل عبد الله الحداد من منسوبي جامعة الملك عبد العزيز أصدر كتاباً عنوانه (التعليم عن بُعد.. انطلاقة جديدة بعد كوفيد 19)، وتناول مفهومه وأهميته وأهدافه وخصائصه ومقومات نجاحه، وتحدَّث عن تجارب الجامعات السعودية في هذا المجال الحديث.

يبدو أن التوازن والمقاربة العقلانية بين التعليمين الواقعي والرقمي بات أمراً تفرضه الحياة المعاصرة، في ظل هذا المخاض التكنولوجي الضخم الذي بات يفرض علينا المتابعة المستمرة لأولادنا والخوض معهم في هذه التحولات المعاصرة حفاظاً عليهم من جهة، وارتقاءً بأدائهم وفكرهم من جهة أخرى.. لأن المستقبل القريب بات حافلاً بالعجائب التكنولوجية التي تحتاج أن نسلِّح أبناءنا بالأدوات التي تساعدهم على خوض غمار عالم التكنولوجيا الذي تتحرك مخرجاته بسرعة مذهلة.