من كل قلبي أرجو أن تنتهي حالة التوتر التي انقلبت إلى عنف في السنغال في أعقاب القبض على السياسي المعارض عثمان سونكو، ومثوله أمام القضاء بتهمة «الاغتصاب»، بالإضافة إلى تهم أخرى تتعلق بـ«زعزعة الأمن العام والمشاركة في مسيرة غير مرخصة»!

أرجو ألا يخرج هذا البلد الإفريقي الجميل عن قواعد اللعب النظيف، ولو بحده الأدنى، بحيث يواصل مسيرته في تقديم نموذج ديمقراطي جيد فيما يتعلق بتبادل السلطة! وفي المقابل أرجو من مناصري سونكو الذين انتشروا في شوارع العاصمة والمدن الأخرى أن يفوتوا فرصة اتهامهم بممارسة أعمال العنف، والتخريب، والسرقة، وتكدير السلم العام، وصولا إلى التهمة الأكبر بممارسة الإرهاب، والعياذ بالله!

لقد شارك «سونكو» في سباق الانتخابات الرئاسية السنغالية الماضية التي تم إجراؤها في 24 فبراير 2019م لأوّل مرة ببرنامج سياسي لفت أنظار عدد كبير من المراقبين والمحللين السياسيين داخل وخارج السنغال، واحتلّ المرتبة الثالثة بعد الرئيس ماكي سال ومنافسه إدريس سيك وحصل على 15.67 بالمئة، ومن ثم فهو مرشح للوصول إلى أكثر من ذلك في الانتخابات المقبلة عام 2024.

لقد مضى السنغال منذ عام 1958 بنظام نصف رئاسي حتى عام 1960 عندما أصبح ليوبولد سيدار سنجور أول رئيس منتخب للبلاد، إثر فوزه في الانتخابات البرلمانية، وبعد منافسات سياسية بين رئيسي السلطة التنفيذية ذات المستويين، وانقلاب عسكري عام 1962، ألغي النظام البرلماني ووضع نظام رئاسي ينتمي الرئيس فيه إلى السلطة التنفيذية، وبقي سنجور رئيسًا حتى عام 1981، حين اختار عبده ضيوف لخلافته، وبقي ضيّوف رئيسًا لأربعة فترات حتى هزيمته أمام زعيم المعارضة، عبدالله واد في الانتخابات الرئاسية لعام 2000.. وفي عام 2012 تولى الرئيس سال منصب رئيس الجمهورية بعد فوزه على الرئيس واد في انتخابات الإعادة.

وتضمنت التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات فترة ولاية لسبع سنوات لمنصب الرئيس ومحددة بفترتين كحد أقصى.. وتجرى الانتخابات الرئاسية على دورتين إذا دعت الضرورة إلى ذلك، على أن ينتخب الرئيس في هذه الحالة من قبل ربع عدد الناخبين المسجلين على الأقل وبأغلبية مطلقة من الأصوات.. ولم يعد من اللازم أن تتزامن الانتخابات الرئاسية مع الانتخابات التشريعية، التي تظل كما كانت تُقام كل خمس سنوات.. كما خُفض سن التصويت من 21 إلى 18 عامًا، وأسفرت الإصلاحات القضائية عن إلغاء المحكمة العليا وتقسيم وظائفها بين ثلاث جهات جديدة؛ محكمة دستورية ومجلس دولة ومحكمة استئناف عليا.

كنت هناك إثر فوز الرئيس ضيوف في المرة الأخيرة لحكمه، ورأيت كيف مضى شاكرًا الله، ومعبرًا عن امتنانه للشعب! وكنت هناك عندما رفض الرئيس واد التسليم بالهزيمة ثم سرعان ما استجاب لصوت العقل ونداء الحكمة الإفريقية.

ولأن أمام السنغال ثلاث سنوات، قبل خوض الانتخابات، فإن الرئيس ماكي سال، يستطيع بحكمته وحنكته، وهو الذي تغلب على منافسه الأكبر الرئيس الأسبق عبدالله واد، أن يساهم بشكل أو بآخر في تخفيف حدة الاحتقان، وفي تهيئة الأوضاع لانتخابات جديدة، ولحفلة إفريقية جديدة لتسليم السلطة، كتلك التي جرت بعيد هزيمة الرئيس عبده ضيوف وتسليم السلطة للرئيس واد، ثم هزيمة الرئيس واد، وتسليم السلطة للرئيس ماكي سال.

أننا بصريح العبارة نتمنى لنهر السنغال الديمقراطي أن يسيل ديمقراطية، بدلا من أن يسيل الدم على جانبيه!