يتمدد الشرق الأوسط على مساحة جغرافية تكاد تنطبق على ما يُعرف اليوم بـ(العالم الإسلامي) المتضمن بدوره الوطنَ العربيَّ، وهو مصطلح جاء نتيجةً حتميةً لهيمنة بريطانيا العظمى على كثير من أجزاء العالم؛ فعمدت لتقسيمه إلى شرق (أدنى، وأوسط، وأقصى)؛ وذلك لتسهيل عملية السيطرة، ولطمس المصطلحات الراسخة لتلك المساحات المحتلة من العالَم. لم تكد تغرب شمس بريطانيا عن العالم حتى تسلمت أمريكا الراية منها، فكانت الخلف الأشرس للسلف الآفل، وعلى إثر ذلك لم تكتفِ أمريكا بالاحتلال، ولا بالتمكين للغاصب الصهيوني (إسرائيل)، ولا بنهب الثروات من بلدان الشرق الأوسط؛ لأن ذلك لا يضمن لها البقاء الفاعل، ولا يُرسخ لها مكانتها في الشرق الأوسط خاصة، والعالَم عامة. لذلك كانت نظرة السياسي الأمريكي أبعد من ذلك؛ حيث «فكَّر وقدر، فقُتِل كيف قدَّر»، ثم توصل إلى فكرة جهنمية تضمن لأمريكا البقاء والهيمنة على الشرق الأوسط حتى ولو لم تكن قواتها جاثمة على أي أرض فيه، مع أن لها وجودًا في أفغانستان والعراق وغيرهما. الفكرة الجهنمية التي ضمِنت لأمريكا حضورًا ومكانة في الشرق الأوسط تتمثل في إذكائها المستمر للفوضى والصراعات بين حكومات الشرق الأوسط من جهة، وبين طوائفه وأحزابه من جهة أخرى، وبين الحكومات وشعوبها من جهة أخيرة. لذا رأينا كيف أنه كان بإمكان أمريكا أن تُنهي القضية الفلسطينية بأن تفرض حلاًّ عادلاً يقبل به الفلسطينيون والإسرائيليون، لكنها لا ترغب في إيجاد حل يقلص من نفوذها، ويسحب البساط قليلاً من تحت أقدامها، فتفقد بسببه شيئًا من هيمنتها ووجاهتها. دونكم الصراع العربي - الفارسي (الإيراني) الذي يعد هو الآخر لعبة أمريكية حينما وقفت أمريكا مع العرب حتى أنهكوا إيران، ثم وقفت مع إيران حتى أنهكت العرب، وكلما رجحت كفة فريق وقفت مع الكفة المرجوحة في تراجيديا لن تنتهي، حتى ولو اتفق الطرفان على إنهائها، وهذا يجعلنا نستحضر قصة الثعلب مع القطتَين وقطعتَي الجبن. دونكم الفوضى الخلاقة (الربيع العربي) التي ساندتها أمريكا وأيدتها في عدة دول عربية بحجة الوقوف مع حقوق الإنسان العربي وحريته، وهي التي قمعت حقوق المواطن الأمريكي بكل قسوة خلال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها أمريكا نتيجة مقتل المواطن الأمريكي ذي البشرة السوداء (جورج فوليد). هاكم إذكاءَها النزاعات بين الحكومات العربية التي لم تتوقف منذ استقلال الدول العربية، حتى في ظل وجود ما يسمى بجامعة الدول العربية.

وأخيرًا وليس بآخر استحضِروا وقوف أمريكا مع بعض الأقليات والطوائف ومساندتها لها حتى انفصلت عن جسدها العربي والإسلامي، كالذي حصل في السودان حينما انفصل جنوبه عنه، وفي إندونيسيا حينما انفصل شرقها (تيمور) عنها. بهكذا سياسة جعلت أمريكا من الشرق الأوسط (العالم العربي والإسلامي) ملعبًا لها، تُسرِّع وتيرة خلافاته، وتُبطِّئها أحيانًا، فهي -والحال هذه- تتاجر بقضاياه، وتجعل من نفسها حَكَمًا لا بد أن ينزل المتخاصمون عند عتبته، في الوقت نفسه تحرِّض هذا، وتتحرش بذاك، تبسط لهذا وتُضيق على ذاك، ثم تعمد لتبديل الأدوار بينهما. تتهم بالإرهاب من تشاء وتنزعه عمن تشاء، وكل ذلك ليس عبثًا أو مجرد نزوات من قادتها؛ إنما هو إستراتيجية مقصودة؛ لتضمن بقاءها قائدةً وضابطةَ إيقاع وحَكَمًا للمتخاصمين والأعداء، وتبقى لها زعامتها في العالَم، وتُرهب أندادَها (الأقوياء) بعنترياتها مع (الضعفاء). ولن تنتهي أمريكا عن إذكاء الفوضى والصراعات في الشرق الأوسط إلا إذا صار قلبًا واحدًا، (وهذا أمر متعسر)، أو زالت إسرائيل (وهذا أمر مستبعد قريبًا)، أو نفدت ثروات الشرق الأوسط، (وهذا أمر طويل أجلُه)، أو أن ينخلع المسلمون من دينهم، وعندها سترضى أمريكا عنهم، وتختلق لها ملعبًا جديدًا في بقعة أخرى.