حوّلت الحواجز المؤقتة التي شيدها المحتجون من الخيزران والطوب والإطارات المطاطية المشتعلة شوارع كبرى مدن بورما ساحة حرب، لكنّ الجيش بجبر المدنيين الآن على تفكيكها قطعة قطعة تحت تهديد السلاح.

واستخدم المحتجون هذه المتاريس، المشيدة بما يتوفر من مواد، والتي انتشرت في أرجاء رانغون للجم تحركات قوات الأمن التي لجأت أخيرا في وتيرة متزايدة لاستخدام القوة القاتلة لقمع الاحتجاجات ضد إطاحة حكومة أونغ سان سو تشي من السلطة في انقلاب الأول من فبراير. ورغم أعداد المحتجين المتزايدة في الشوارع إلا أنهم يفتقرون للوسائل المناسبة لمواجهة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي الذي يطلقه عناصر الجيش والشرطة.

وقتل حتى الآن أكثر من 230 شخصا في التظاهرات في ارجاء البلاد، حسب جمعية مساعدة السجناء السياسيين، لكنّ يعتقد أن الأعداد أعلى من ذلك بكثير. وباتت الحواجز بمثابة علامة مميزة للمتظاهرين، الذين يغلقون الطرق الرئيسية باستخدام مختلف المواد، من أكياس الأسمنت المملوءة بالرمال وأعواد الخيزران إلى صناديق القمامة الكبيرة والطوب.

ونجحت المتاريس جزئياً في إبطاء حركة قوات الأمن، التي باتت عازمة الآن على إجبار السكان المحليين، بمن فيهم غير المشاركين في الاحتجاجات، على تفكيكها وإزالتها. وكان تون هلا البالغ 69 عاما يجلس في منزله حين داهمه عسكريون وطلبوا منه العمل على إزالة متاريس أقيمت في الحي الذي يقطنه. وأفاد الرجل الذي استخدم اسما مستعارا وكالة فرانس برس "مررت بهذه المواقف من قبل ولا يجب أن تتكرر".

وأنهى انقلاب فبراير بشكل مفاجئ اختبار بورما للديموقراطية على مدى 10 سنوات، بعدما خضعت لحكم عسكري صارم استمر خمسة عقود.

وخلال هذا العهد العسكريّ، كان من المعتاد أن يأمر عسكريون في جميع ارجاء البلاد السكان بتوفير شخص ذي قدرة جسدية لأداء أعمال قاسية. وقال الناشط الحقوقي جون كوينلي إنّ "استخدام العمل القسريّ ليس بالأمر الجديد في بورما"، مضيفًا أنه كان "تكتيكًا وحشيًا يستخدم لخلق بيئة من الخوف والترهيب".

ورغم معاناته من ألم مزمن في الظهر، لم يكن امام تون هلا خيارا آخر سوى الانصياع لاوامر الجنود المسلحين، وإخفاء ابنائه في المنزل، والانضمام لجيرانه في إزالة أكياس الرمل المتراكمة في الشارع. وقال "كنت قلق على ابنائي. هناك شبان صغار يموتون". وأصبحت رانغون نقطة ساخنة للاضطرابات ومقاومة الانقلاب، حيث شهدت أحداث عنف دامية تضمنت إطلاق قوات الأمن النيران عشوائيا في مناطق مأهولة.

وفرضت المجموعة العسكرية الأحكام العرفية الأحد في ست من أحياء رانغون ووضعت عمليا حوالى مليوني شخص تحت رقابة تامة من قادة الجيش. وأوضحت سابيل (20 عاما) أنّها ووالدتها الأرملة أجبرتا تحت تهديد السلاح على تفكيك احد المتاريس قرب بيتهما. وقالت سابيل التي رفضت أيضا ذكر اسمها الحقيقي خشية الانتقام الأمني "لم افعل ذلك في حياتي من قبل".

وأجبرت الشابة ووالدتها على إزالة خمسة صفوف من الحقائب الثقيلة المليئة بالرخام. وأفادت "تعرضت لكدمات في يداي. تعرضت لألم شديد"، وأضافت أنها شاهدت عسكريين يوجهون أسلحتهم تجاه فتيين كانا يكافحان لرفع أكياس الرمل وفك الأسوار المصنوعة من الخيزران. واسترجع احد سكان رانغون الذي نشأ في ولاية تشين الشمالية، وهي منطقة لديها تاريخ طويل من النزاع بين الجيش والمجموعات العرقية المسلحة، كيف أجبر حين كان يبلغ 10 سنوات في عهد النظام العسكري السابق على حفر خنادق وقطع أشجار في منطقته. وقال لفرانس برس "لا أريد لابنائي بأن يعانوا من هذه الكوابيس التي مررت بها".