Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عكمة.. عندما تتحدث الجبال

A A
الجبال خَلْقٌ من خلق الله تعالى، نراها ثابتةً راسخة تعكس تراث وتاريخ لا نعي في الغالب معظمها.

وجبل عكمة الذي يقع على بعد ثلاثة كيلومترات شمال غرب مدينة العُلا، أحد الجبال التي تخبرك بالكثير. يحمل على صفحته نقوشاً وكتابات ورسومات، تحكي تاريخ المنطقة، والحياة فيها، خلال حقبة تاريخية مميزة، فكانت صخوره وما خُطَّ عليها سجلاً موثِقاً لحضارة ازدهرت ولمع نجمها في سماء الجزيرة العربية والشرق لفترة تاريخية ليست بالقليلة، وهي الحضارة اللحيانية.

ومملكة «لِحيان» مملكة عربية قديمة، قامت في شمال الجزيرة العربية، وكانت امتداداً لمملكة «دادان»، وقد بسطت سيادتها على المنطقة منذ القرن السابع قبل الميلاد (قيل القرن الـ 9 ق.م ) وحتى القرن الثاني قبل الميلاد. واللغة التي كتبت بها هذه النقوش والكتابات، لغة مملكة لحيان، هي اللغة العربية الشمالية، خطها مشتق من الخط المسند الجنوبي، وهو وسيلة التعبير بها وعنها، وعدد حروفه الهجائية 28 حرفًا كما هو الحال في اللغة العربية اليوم (البعض يقول 27 حرفاً). والكتابة اللحيانية التي عثر على العديد منها في أماكن مختلفة في العلا، ومنها جبل عكمة، نفذت بثلاث تقنيات رئيسة، هي:

وتكمن أهمية الكتابات والنقوش والرسومات في منطقة جبل عكمة في كونها سجلاً تاريخياً وحضارياً. فعلى الرغم من أن معظمها يتناول أموراً شخصية في الغالب، إلَّا أنها تمدُّنا بمعلومات مهمة عن مملكة لحيان، وحضارتها، والمجتمع العربي اللحياني القديم، وأوضاعه الحياتية والإنسانية، والحياة الدينية وما فيها من تقديم للقرابين والنذور، أو تقديم الزكاة، أو الحج للمعبودات، ومعلومات حول ما يحكم مجتمعهم من قوانين وتنظيمات.

كما يعطي صورة عن الوضع الاقتصادي، وأنظمة الضرائب والخراج، وعلاقة اللحيانيين بمن حولهم في محيط الجزيرة العربية تجارياً وسياسياً. كما أمكن من خلالها التعرف على العديد من أسماء الشخصيات، والآلهة، والحكام،. ولعل أهم ما يميز بعضها أنه مؤرخ بسنوات حكم ملوك لحيان؛ مما ساعد على معرفة التسلسل الزمني للحكم في مملكة لحيان، وكذلك الوقوف على مراحل تطور الكتابة من خلال أشكال الحروف. كما كشفت عن المعاملات التجارية من بيع وشراء، التي اعتمدت بشكل رئيس على نظام المقايضة. وكذلك كشفت النقوش والرسومات الصخرية عن حياة اجتماعية لا تخلو من الترفيه، فيبدو منها أنهم كانوا على دراية بفن العزف على الآلات الوترية كالسمسمية المعروفة اليوم، والطبول، والمزامير، فقد وُجِدَتْ منقوشة على إحدى الواجهات الصخرية لجبل عكمة بأشكال وأحجام مختلفة.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X