Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

البيئة الحبيبة وخطورة الإحساس بالبلاد المحجوبة!

الآن، وبعد هذا المشوار الطويل، وبعدما أصاب مجتمعاتنا ما أصابها من انحراف في القيم، وما أرصده من اعوجاج على مستوى الكلمة الهادية، تنتابني الكآبة، وأجدني أعود أحيانا لقصيدة جبران، مردداً أومتحسراً على مستوى الكتابة

A A
رغم هيامي بها في صباي البكر وتحديداً في المدرسة الاعدادية، لم أجد نفسي في قصيدة جبران خليل جبران الرائعة «البلاد المحجوبة».. ورغم إتقاني في ترديدها بلا أخطاء نحوية، فضلاً عن طريقة إلقائي لها وعشق معلمتي المهذبة «أبلة فضيلة دياب» لسماعها مني، لم أشعر أن معانيها وأبياتها تمثلني أو ترتبط بي! ورغم كل ما فيها من مفردات الوجد والشوق والورد والفجر، فقد كان حبي لقريتي ولوطني، بل مايزال، حباً كاسحاً لأي حب آخر!

كان مطلع القصيدة يقول: هُـو ذا الفجْرُ، فقومي ننْصَرِفْ.. عـنْ بلادٍ ما لنا فيها صديقْ!، ما عسـى يرْجو نباتٌ يختلِفْ .. زهْرُهُ عـنْ كُلِّ ورْدٍ وشقيقْ!، وجديدُ القلْبِ أنَّى يأْتَلِفْ.. معْ بلادٍ كلُّ ما فيها عتيقْ!، هو ذا الصبحُ يُنادي، فاسمعي.. وهلمِّي نقتفي خطْواتِـــهِ، قدْ كفانَا منْ مسَــاءٍ يدَّعي.. أنَّ نورَ الصًّبْحِ منْ آيَاتِهِ!

والحق أن تكويني الأسري كان يجعلني طوال الوقت أشعر بأنني غصن في شجرة باسقة، يرعاها أبي بصرامته وحكمته، وترويها أمي بحنانها وحبها، ومن ثم فأنا أنصهر في البيت مع اخوتي وأخواتي، وفي المدرسة المشتركة مع زملائي وزميلاتي، وأستطيع أن أقطف بل أزرع من الورد الجميل ما أشاء، ومن ثم فعنوان حياتي في تلك المرحلة هو الائتلاف!.

ومن الواضح أن شعوري طوال الوقت بالائتلاف مع البيئة المحيطة بي، ساعدني كثيراً في المراحل اللاحقة بما فيها تلك التي قضيتها في الغرب، وتحديداً في العاصمة البريطانية لندن!

كنت قد بكيت لفترة على فراق الوطن، قبل أن أزيح أو يزيح عني زملائي وزميلاتي كل شعور باليأس أو بالحزن! هكذا وسريعاً كنت صديقاً للجميع.. المصريون والسعوديون والفلسطينيون والسوريون واللبنانيون والسودانيون، والبريطانيون، في الجريدة في «فليت ستريت» وفي «هاي هلبورن»، ثم الإيطاليون واليونانيون والبرازيليون من جيراني في السكن!.

لم أجد نفسي بحاجة لأن أردد أبيات أُخر من «البلاد المحجوبة» خاصة تلك التي يقول فيها جبران: قدْ أقمْنا العُمْرَ في وادٍ تسيرْ .. بيْنَ ضلعيْهِ خيالاتُ الهمومْ.. وشَهِدْنا اليأسَ أسراباً تطـيرْ .. فوق متنيْهِ كعِقبانٍ وبُومْ.. ولبسْنا الصَّبْرَ ثوْباً فالتهَـبْ.. فـغدوْنا نتردَّى بالرَّمَــادْ.. وافترشْناهُ وِساداً فانقَلـبْ.. عنـدما نمْنا هشيماً وقَتَادْ!

والحق كذلك، أنه رغم حبي للشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي الذي تعرفت عليه شخصيا في «الشرق الأوسط» لم أجد نفسي أثناء وجودي في لندن في قصيدته الرائعة «مسافر بلا حقيبة»!، لقد كانت حقيبتي معي جاهزة طوال الوقت، حتى حين دخلت في إجراءات شراء بيت هناك، باعتبار ذلك أفضل وأفيد من دفع نفس المبلغ في شقة بالايجار!.

كان البياتي يقول: لا وجه، لا تاريخ لي، من لا مكان.. تحت السماء، وفي عويل الريح أسمعها تناديني:

«تعال»! لا وجه، لا تاريخ.. أسمعها تناديني : «تعال»! تحت السماءْ.. في داخلي نفسي تموت، بلا رجاء! وأنا آلاف السنين..

متثائب، ضجر، حزين.. سأكون ! لا جدوى، سأبقى دائماً من لا مكان.. لا وجه، لا تاريخ لي، من لا مكان! وأسير لا ألوي على شيء، وآلاف السنين.. لا شيء ينتظر المسافر غير حاضره الحزين!

وعلى العكس مما جاء من معانٍ عميقة في القصيدة، فقد سافرت بكل أمل في العودة سريعاً الى القاهرة! أتذكر هنا بكل حب أستاذي الراحل عبد اللطيف فايد، الذي بان عليه التأثر وهو يودعني فوق كوبري أكتوبر، وأنا أؤكد له سرعة عودتي فور تجميع مبلغ يكفيني لشراء شقة مناسبة!.

أتذكر كيف راح زميلي الأعز «لويس جرجس» يبحث عني بناء على تعليمات أستاذي الراحل جلال عيسي وكيل نقابة الصحفيين، الذي وضع اسمي ضمن سبعة زملاء سيحصلون على شقق تمليك سكنية في مدينة 15 مايو، بأقساط قليلة جداً تسدد على مدار 20 سنة!

هكذا سافرت ولم تكن في داخلي نفس تموت.. كالعنكبوت، كما يقول البياتي، ومن ثم لم أر على أي جدار، ضوء النهار، وهو يمتص أعوامي ، ويبصقها دماً.. الى نهاية القصيدة المؤثرة!

وحين زاد ارتباطي بزميلي الفلسطيني أحمد شعث، ورغم طلبه المستمر لي بإلقاء قصيدة هارون هاشم رشيد «الشريد» ورغم تماسكي وأنا أردد «أمام طفليه:أنَا يا أَخي الإِنسانُ مِثْلُكَ كانَ لي وَطَنٌ حَبيبْ.. قَدْ كُنْتُ فيهِ أَعيشُ في رَغَدٍ وفي عَيْشٍ رَحيبْ! وبهِ الحَدائقُ والجبالُ الشُّمُّ والمَرْجُ الخَصيبْ.. وبهِ الأَمانيُّ العِذابُ وَشَمْسُ عِزٍّ لا تَغيبْ! رغم ذلك، كانت دموعي تنهمر وأنا أردد: أَتُراكَ تَعْرِفُ يا أَخي الإنسانُ ما مَعْنَى الضَّياعْ.. أَتُراكَ تَشْعُرُ ما أُقاسِي مِنْ شَقَاءٍ والْتِياعْ؟ أَنَا واثِقٌ مِنْ نُبْلِ حِسِّكَ إِنْ دعا لِلْخَيْرِ دَاعْ.. فإِليكَ قِصَّةَ مَوْطِني المنْكوبِ في هَذِي البِقاعْ!.

يطلب شعث أن أكمل، فأتماسك وأنا أقول: كُنَّا مِن الزَّهْرِ النَّدِيِّ نَصُوغُ أَسْبابَ الحَياهْ.. حُبَّاً لِكُلِّ الناسِ يَهْدِينا إِلى البُشْرَى سَناهْ.. أَفْراحُنا تُهْدِى إِلى الرَّوْضِ النَّضِيرِ ضُحىً شَذَاهْ..وَبِشَدْوِنا غَنَّتْ طُيورٌ تُسْمِعُ الدُّنْيا صَدَاهْ!.

كانَ الحَمامُ يَرِفُّ في بَيْتي وَيَنْعَمُ بالهَديلْ.. في غابةِ الزَّيتونِ في رَغَدٍ وفي ظِلٍّ ظَليلْ! قَتَلَ الحمَامَ وَقَطَّعَ الزَّيتونَ غَدَّارٌ دَخيلْ.. وإِذا بِمَوْطِنِي الحبيبِ يَعيشُ في لَيْلٍ طَويلْ!.

الآن، وبعد هذا المشوار الطويل، وبعدما أصاب مجتمعاتنا ما أصابها من انحراف في القيم، وما أرصده من اعوجاج على مستوى الكلمة الهادية، تنتابني الكآبة، وأجدني أعود أحيانا لقصيدة جبران، مردداً أومتحسراً على مستوى الكتابة

: يا بلاداً حُجِّبَـتْ منْذُ الأزَلْ.. كيفَ نرْجوكِ ومنْ أيْنَ السَّبيلْ.. أيُّ قَفْرٍ دونهــا؟ أيُّ جبَلْ.. سورُها العالي؟ ومنْ منَّا الدَّليلْ؟ أسرابٌ أنتِ؟ أمْ أنْتِ الأمَلْ؟ .. في نفـوسٍ تتمنَّى المستحيلْ؟

الحق أنني لن أفقد الأمل!
Nabd
App Store
Play Store
تصفح النسخة الورقية