Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عادل خميس الزهراني

واقع الشعر في يوم الشعر وسلطة الفقاعة

A A
كان هذا عنوان مداخلتي التي شاركت بها عشية يوم الشعر العالمي في ندوة نظمها مركز التميز البحثي في اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز، بالشراكة مع أكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف.. ويبدو أن الإنسان -عمومًا- لم يجد حتى الآن منتجًا يسد مكان الشعر، لذلك فالحاجة إلى الشعر لا تزال قائمة.. عدا ذلك فإن الشعر ظاهرة مثل باقي الظواهر الاجتماعية، تتأثر بالظروف والمعطيات التاريخية والثقافية التي تعيشها المجتمعات والأمم.. ويحيل عنوان الندوة (واقع الشعر العربي) على عدة اتجاهات، تحدثت فيها عن ثلاثة: واقع الإبداع، ثم واقع النص، وأخيرًا واقع التلقي.

إن مسائل الاختيار، والتوجيه، وبناء النسيج الشعري، وتضفير الصور حول ثيمة النص، ومعمار النص النهائي، ليست بالضرورة اختيارات مقصودة من الشاعر.. أي أن الظروف، والثقافة، والتاريخ، والجغرافيا، والتداخلات النصية... كلها تلعب دورًا في خلق القصيدة، وفي ولادة النص.

وعلى ذلك يمكن الحديث عن عدد من المظاهر الجلية يمكن إدراجها ضمن المحور الأول منها؛ تأثر الشعراء بروح العصر، بدفء الشارع، وهزيع الجماهير، وكذلك نلاحظ تجاور التجارب الشكلية وتناغمها إلى حد تماهيها أحيانًا، فلم تعد نغمة الصراع بين الأنواع الشعرية واضحة بقدر ما أصبحت الأنواع خيارات (ورفاهية) متاحة لشاعر وشاعرة اليوم.. ولن ننسى كذلك دخول التقنية عنصرًا مكونًا من عناصر التجربة، ما أطلق روح التجريب الشعري، وخصوصًا بين أجيال الشباب من الكتاب، ولعل "صفرية" المسافة بين لحظة الكتابة ولحظة النشر أسهمت في تغيير واضح في خارطة العملية الإبداعية.

أما عن واقع النص فإن نظرة لتاريخ تطور القصيدة العربية الحديثة ستفضي إلى أنها متصلة بالتجربة العربية العامة بامتياز.. لكنْ، وبعد أن نضع كل ما قيل سابقًا في الاعتبار، يمكن القول: إن النص العربي اليوم يعبر عن طفولة من نوع ما.. لعلها طفولة العصر التقني.. وإذا كان الشعر مثلًا قد عبر في زمن ما عن قلق الانتقال من العصر القديم إلى الحديث، أو من القرية إلى المدينة (وذوبان قيم الحياةِ الأولى شيئًا فشيئًا)، فإن نصوص هذه المرحلة، تحمل -وخصوصًا التي تكون حساسيتها أكبر في التعامل مع منتجات ما بعد الحداثة- سمةَ الطفولة، التي تتخبط، وتجرّب، وتقفز بين التجارب والحالات دون منهجية ودون فهم حقيقي.. وفي هذا الملمح تلمس أيضًا نكهة الاستهلاكية السطحية نوعًا ما.

ومع ذلك يمكن تلخيص بعض المظاهر العامة للتجربة النصية اليوم في العالم العربي، ولعل أحد أهم المظاهر هي النقلة من صوفية الرمز إلى صوفية الصورة، فبعد أن كان الرمز قبلة الشعرية الصوفية، يمكن ملاحظة تحوّل بطيء نحو صوفية الصورة.. كما أن عودة الحياةِ للقصيدة العمودية من خلال (التجربة الحديثة) مظهر لا يمكن إغفاله، وبروز أسماء لامعة في كتابته، من أولئك مثلًا جاسم الصحيح، ومحمد عبدالباري، وأحمد البخيت، وغيرهم.. كذلك يبدو أن قصيدة النثر أضحت خيارًا جميلًا بين الخيارات، وهي -مثل غيرها- خاضعة للتجربة الشعرية الصادقة التي تتحكم في عمقها أو هشاشتها.

المحور الأخير في حديثي تناول واقع التلقي الذي لا يمكن تناوله بعيدًا عن شروط العصر وقيم ما بعد الحداثة؛ فالعولمة، والتشظي، والتقنية -وخصوصًا الإعلام الجديد-، والسيولة، والجماهير، وذوبان النخب، وصعود مفهوم جديد للنخب، بالإضافة طبعًا إلى الظروف العالمية السياسية والثقافية المتجددة، كلها عوامل أثرت في المنتج الفكري الإنساني.

ولعلي أختم مقالتي بالإشارة إلى مفهوم الفقاعة في العنوان؛ فقد وفرت التقنية، وظروف العصر إمكانية حديثة، لبناء عالم شخصي، يمكن التحكم به، وتصميمه على هوى الفرد، عالَمٍ يضمن خصوصيته وفردانيته، ويحدد الطريقة التواصلية (الاجتماعية) التي تناسب الفرد.. أي أن يصنع له بيتًا افتراضيًا؛ يدعى فقاعة (bubble). ومصطلح الفقاعة مقصود هنا، أي أن العزلة التي يوحي بها المصطلح مقصود. (يشير إلى العالم الذي يعيش فيه إنسان اليوم)، والشفافية مقصودة (حيث يراه الجميع، ويرى الجميع، لكنْ ليس بالضرورة أن يسمع الآخرين أو يسمعه الآخرون). والهشاشة التي تشير إليها الفقاعة مقصودة أيضًا (فهي بيوت هشة، يمكن للفرد أن يهشمها ويختار أخرى بسهولة، كما تشير إلى إمكانية اختراق هذه البيوت بسهولة). أعتقد أن بعض الأمثلة في سياق عنواننا قد تكون مفيدة؛ يصمم الإنسان اليوم -دون أن يدري ربما- عن طريق اهتماماته وطموحاته وطباعه- فقاعاته الخاصة: المهتم بالشعر (كاتبًا أو ناقدًا أو متذوقًا)، سيجد نفسه داخل فقاعة شعرية (مجموعات واتس آب، صفحات فيس بك، قنوات يوتيوب، حسابات تويترية شعرية.. وهكذا) من فقاعاته الشعرية هذه سيستبشر.. ويقول: عاد الشعر للصدارة.. ومَن كانت فقاعاته سردية وحسب، فيمكن أن يقول: إنه زمن السرد.. وكفى. أما من كانت فقاعاته خارج الاهتمام الأدبي تمامًا فسيقول: تراجع الأدب العربي.. وقد ولى زمن الشعر.

الظاهر -والله أعلم- أن الاختلاف حول كل تجربة، يوازيه اتفاق على سلطة الوسيلة.. إنه عصر الوسيلة، زمن ثقافة المنصة.. فالمنصة (الوسيلة) هي التي تتحكم بحضور التجربة (الشعرية في سياقنا)، وتحدد شروطها.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X