في سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، مخاطبته الحجيج بعد انتهاء موسم الحج: «يا أهلَ الشامِ، شَامَكُم، ويا أهلَ اليمنِ، يَمَنَكُم».. وبهذا يُعلَنُ عن انتهاء موسم الحج، وآن للحجَّاج العودة من حيث أتوا.

الجدير بالذكر، أنَّنا في بلد الحرمين الشريفين عندما نحدِّد عند تسجيل بيع عقار أو شرائه أبعاده، نشير إلى حدِّه الشمالي شامًا، وإلى الجنوبي يمنًا.. ويفهم من هذا بأنَّ قول الخليفة الراشد عمر بن الخطَّاب شامكم هم مَن أتوا من شمال مكَّة المكرَّمة، ويمنكم كلَّ من أتوا من جنوبها.. وهذا توثيق لكون التراب بين اليمن والشام متَّصلًا.

وكما أنَّ لكلِّ امرئ من اسمه نصيب، فلكلِّ بلد من اسمها نصيب.. ولليمن النصيب الأوفر من الإشادة والإعجاب عندما يروي التاريخ سيرتها الذاتيَّة، وتُذْكَرُ باسم (اليمن السعيد).. فهي من أقدم مراكز الحضارة في العالم القديم.. ولا يُعرف بالتحديد تاريخ نشأتها الأُولى.. لكنَ بعض نقوش حضارة بلاد ما بين النهرين تصوِّرها أنها بدأت نحو 2500 قبل الميلاد.. وإليها يُعزى الحسب والنسب لعرب اليوم.. فهم أحفاد من انتشروا في الاتَّجاهات كافَّة بعد انهيار سد مأرب... مستقرّين في ربوع جزيرة العرب التي كانت آنذاك مغطَّاة بالغابات والمروج الخضراء، وكذلك في بلاد المشرق العربي.. وهم الذين أخذوا الإسلام إلى أقصى شرق آسيا متسلِّحين بمكارم الأخلاق.. وهناك تزاوجوا مع سكَّان الأرخبيل الأندونيسي مكوِّنين نسيجًا اجتماعيًّا لحمته وسداه الصدق والأمانة وحسن المعاملة.

في المقابل نجد بلاد الشام وقد علت وجه عاصمتها دمشق شامة الحسن والجمال، فاحتَّلت المركز الأكثر أناقة من بين العواصم.. ويعتقد المؤرَّخون أن وجودها يعود إلى حقبة ما قبل التاريخ المسجَّل.. وقد أُطلق على هذه المدينة اسم لؤلؤة الشرق، نسبة إلى جمالها ووفرة خضرتها.. وأنَّها حافظت مدى العصور على مكانتها التجاريَّة والفكريَّة.. ويُعتقد أنَّ اسمها بالعربيَّة تحوير من كلمة «ديماشكا» التي تعود في أصلها إلى ما قبل الساميَّة.

ولبلاد الشام تاريخ مشرّف ضاربٌ في القدم لما قبل التاريخ.. وحضارة ثريَّة بالعلوم والمعرفة، اكتسبتها من التعامل مع الحضارات وثقافات العديد من الأمم السابقة التي اخترعت الحروف والأرقام.. وقد ألبستها زيًا عربيًا مطرَّزًا بأجمل ما في تلك الحضارات من فنون وآداب.. ومنها انطلق الدعاة إلى أرجاء العالم كافَّة حاملين مشعل النور والهداية، ينيرون به الطرق لمجتمع العدالة الاجتماعيَّة، ولدور العلم المنتشرة في البلدان التي حلُّوا فيها.. ومنها بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وقرطبة وغيرها، يقصدها طلَّاب العلم وعشَّاق الفنون والآداب بمن فيهم رجال الفاتيكان وأبناؤهم.. ودامت الشعلة متوقَدة لعقود غير مسبوقة.

واليوم، تقوم بلاد الحرمين الشريفين، لما يحتِّمه عليها موقعها المميَّز وعاصمتها المقَّدسة؛ مكَّة المكرَّمة وفيها أوَّل بيت وضع للناس مباركًا وهدى للعالمين، بإقامة مراكز ثقافيَّة إسلاميَّة في أرجاء العالم، موفِّرة للجاليات المسلمة فيها دور عبادتهم، ومحافظة لهم ولأبنائهم على تراثهم وعقيدتهم ولغة قرآنهم.. تعمل على تمتين روابط العيش المشترك، وبناء صداقات مع أهل البلد المضيف ومع من يقصدها من الزائرين.

في الوقت ذاته، تواصل مطبعة القرآن الكريم في المدينة المنوَّرة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى غالبيَّة لغات العالم، وطباعته وتوزيع ملايين النسخ بالمجان، ليكون في متناول الراغب بالقراءة والمعرفة حيثما كان مقيمًا.. وهذا ما أعطى هذه المراكز مكانة علميَّة ثقافيَّة، يقصدها الطلبة وأساتذتهم والباحثون مستفيدين من مكتباتها الثريَّة بالمراجع في إتمام ما يجرونه من دراسات وبحوث وتحضير لندوات.. وما ذاك إلَّا هدي بحديث شريف يُروى عن رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ.