مصداقاً لكل من كتب عن هذا الأكاديمي العملاق معالي البروفسور محمد عمر زبير، فإنه من باب الواجب أن أذكر ما لا يعرفه الكثير من زملائه وأحبابه وطلابه. في يوم عصرية في الجامعة كنت خارجاً من محاضرة، وإذا من خلفي أسمع من يناديني، فالتفت فإذا هو معالي الدكتور الزبير. فسلمت عليه، وقلت له: أمرك يا دكتور. فقال لي رحمه الله: غداً سيكون ضيف الجامعة الشاعر الكبير عمر أبو ريشة، وسيلقي في مسرح الجامعة بعض قصائده، أريد منك تحية شعرية له.

فأجبته بصورة غير لائقة: الشعر يا دكتور ليس بقالة؛ بحيث يطلب الواحد منا علبة تونه أو شاهي.. إنما الشعر مجموعة مشاعر قد تكون غير متوافرة. فالتفت إلي بهدوء، ولاذ بصمت رجل حليم حكيم، وقال: خيراً إن شاء الله، وانصرف.

وبعد أن عدت إلى البيت مساءً، كنت في دوّامة من الأسف والامتعاض لإجابتي بهذه الصفاقة لهذا الرجل الكبير. وأخبرت أبي رحمه الله، فقال: أنت غير مهذّب أن تجيبه بهذا الأسلوب. ينبغي أن تفكر من الآن إلى مغرب الغد في تحقيق طلب معاليه.

شعرت بالندم على تسرّعي بجلافة جوابي على طلب معاليه. وشاء الله أن أتمكن من نظم تسعة أبيات شعرية في عصر يوم المناسبة، فذهبت إلى مسرح الجامعة، فوجدته، وسلمت عليه، واعتذرت له عما بدر مني من خطأ. فما كان منه إلا الابتسامة المريحة، وطلبتُ منه أن يستمع إلى مطلع القصيدة،

وقلت:

يا شاعر العُرْب دافعْ عن حمى العربِ

واقذفْ بشعـرك كالبركان باللهبِ

فقال لي: ما شاء الله، أكملْ، وفرحْتُ جداً لاستحسانه لها، وأقبل الشاعر الضيف بعد المغرب إلى المسرح، وألقيتها، وكان الشاعر الكبير يقول لي في بعض الأبيات وقت الإلقاء: أعِدْ .. فشعرتُ بدوارٍ في رأسي بسبب رضاه عن أبياتٍ في القصيدة. رحم الله تعالى عبدَه محمد عمر الزبير وأسكنه فسيح جناته.