دهشة كبيرة أصابت المتابعين من إقدام الميليشيات الحوثية خلال الأسبوع الماضي على محاولة الاعتداء على جامعتي نجران وجازان، إضافة إلى بعض الأعيان المدنية الأخرى. ويبدو سبب الدهشة في السبب وراء اختيار الجامعتين كأهداف لصواريخ الحوثيين العبثية، ومغزى الهجوم على مواقع تعليمية لا علاقة لها بالقتال الذي يشهده اليمن، وهي التساؤلات التي رفعها الكثيرون على صفحات الصحف وبرامج الفضائيات خلال الأيام الفائتة. لكني شخصياً لا أجد أي غرابة في اختيار الحوثيين للمؤسسات التعليمية كأهداف عسكرية، سواء داخل اليمن أو خارجها، لأن تلك الميليشيات تقودها مجموعة من الأميين الذين لم يحظوا بأي تعليم نظامي، ولم يتمتعوا بنعمة الدراسة الأكاديمية، ولا يعدون كونهم فاقداً تربوياً.

وبسبب «عقدة النقص» التي يعاني منها الانقلابيون، فقد ركزوا بمجرد استيلائهم على مقاليد الحكم ومصادرتهم للسلطة بطريق القوة على محاربة المؤسسات التعليمية، فأغلقوا المدارس والجامعات وحوَّلوها إلى ثكنات عسكرية ومخازن أسلحة، وفصلوا أساتذتها ولاحقوهم بالاعتقالات، كما اختطفوا التلاميذ من مقاعد الدراسة وأرسلوهم إلى الصفوف الأمامية في جبهات القتال، ووعدوهم بمنحهم الدرجات الكاملة في نهاية العام، بدون أداء الامتحانات السنوية.

حتى المدارس التي لا تزال تعمل لم تسلم من اعتداءاتهم، فقد لوَّثوا المقررات الدراسية بمناهج متخلفة تحتوي على الكثير من الخرافات، وأوهموا الأطفال بأن العالم كله يمثل عدواً لهم، وبذلك حولوا كثيراً منهم إلى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة بسبب هذا الشحن الطائفي المرفوض. كما تعمدوا إنهاء خدمة الكوادر التعليمية المؤهلة، وأتوا بآخرين من منسوبيهم لا يفقهون شيئاً في سير العملية التربوية.

من أبرز أسباب تركيز الميليشيات على تدمير المدارس والجامعات أن الحوثيين يدركون تماماً أن هذه المؤسسات التعليمية تشكل أكبر الخطر عليهم، وتهدد بقاء سلطتهم، لأنها مراكز إشعاع حضاري تساعد الطلاب على التفكير والنظر إلى الأمور بطريقة صحيحة، وتمنحهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وبذلك يمتلكون القدرة على فضح أكاذيبهم وزيفهم.

ونظرة سريعة للكثير من الأخطاء التي ارتكبتها الجماعة الانقلابية في اليمن خلال السنوات الفائتة توضح بجلاء أنه لا توجد أي علاقة تربط منسوبيها بالعلم أو المعرفة التي تمنحهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، فكيف يستقيم عقلاً ومنطقاً لإنسان متعلم أن يقدم على زرع الألغام والعبوات الناسفة أو ينشئ مواقع عسكرية داخل أحياء مدنية، ويهدد حياة النساء والأطفال والشيوخ بعد أن يتخذهم دروعاً بشرية؟

وهل يملك إنسان متعلم الجرأة على اصطحاب بعض أطفاله ليكونوا بمثابة غطاء يسمح له بتهريب الأسلحة للميليشيات لقاء مبلغ مالي على غرار ما فعله كثير من الحوثيين الذين ضبطتهم قوات الجيش الوطني وعناصر المقاومة الشعبية وفضحت تصرفاتهم؟، وهل هناك في الدنيا ما يستحق أن يخاطر الإنسان لأجله بسلامة أطفاله؟.

وهل يمكن أن يقدم شخص مستنير فتح الله بصيرته وأنعم عليه بنعمة العلم على الاشتراك في جريمة تجنيد أطفال لم تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة والزج بهم في أتون محرقة عسكرية، دون أن تكون لهم القدرة على حمل السلاح أو معرفة طريقة استخدامه؟؟

وهل يستطيع شخص متعلم تبرير خرافات الحوثيين الذين يخدعون البسطاء والسذج من المقاتلين الذين يدفعون بهم إلى الموت بعد تزويدهم بحبوب الهلوسة والمخدرات وفي ذات الوقت يمنحونهم ما يزعمون أنها مفاتيح غرفهم وقصورهم في الجنة بعد مقتلهم؟.

كيف لإنسان متعلم أن يقدم على تصنيف الناس إلى درجات بحسب نسبهم وعرقهم، بحيث يطلق على من ينتسبون إلى أسرة الحوثي وأقاربه لقب «القناديل»، وهؤلاء ينالون النصيب الأكبر من الثروة ويتسلمون الوظائف القيادية، بينما يطلق على عامة الشعب لقب «الزنابيل» وهؤلاء لا ينالهم إلا الفتات، وتوكل إليهم الأعمال الأشد وطأة والأكثر مشقة. حتى في جبهات القتال يوضع أبناء القيادات في مواضع آمنة بعيدة عن الخطر، فيما يُزج بالبقية في جبهات القتال الأمامية.

لكل ما سبق، فإن إقدام الحوثيين على محاولات الاعتداء على جامعتي نجران وجازان هو تصرف تلقائي ومفهوم الدوافع بالنسبة لطبيعة تلك الميليشيات التي لا تعيش أمثالها إلا في الظلام، وتنفر من مواضع النور التي توفرها المدارس والجامعات.

ولأنه -كما أسلفت- لا علاقة تربطهم بالتعليم ولم يجربوا متعة البحث وراء المعلومات والاجتهاد والتحصيل ولم تتفتح عقولهم فإنهم لم يجدوا غير مؤسسات البحث العلمي أهدافاً لأعمالهم الطائشة.

ولكن لأن أرض اليمن عرفت منذ قديم الزمان بالعلم والحكمة، وأسهمت في رفد الوطن العربي بالكثير من العلماء الذين أثروا الحياة العلمية، فسوف يقوم اليمنيون بالتخلص من هذه العصابة التي جثمت على صدورهم لعدة سنوات، ويستأصلون شرها من جذوره، ويعيدون بلادهم إلى حضنها العربي الذي كانت وستظل بإذن الله عنصراً فاعلاً فيه، وستنجلي هذه الغمة وتبقى تجربة لأهل اليمن يستقون منها العبرة والعظة.