واهم من ينظر إلى الابتعاث على أنه مجرد (انتقال مكاني) للحصول على شهادة رفيعة!

فالشهادة يمكن الحصول عليها في البلد الأم.. وبتكلفة وجهد ربما أقل.

حين كنت في بريطانيا أتابع الدراسة سألتني مشرفتي ذات يوم، بكري: لماذا جئت إلينا؟

عندها تذكرت مقولة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: «إن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مَزيدُ كمال في التعلِّم».

والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة إلقاء وعلمًا وتعليمًا، وتارة مشاهدة ومحاكاة وتلقينًا.

فالذي يرحل في طلب العلم يجب عليه أن يدرك ما يعنيه الارتحال للعلم والتعلم من حصول مثاقفة فكرية وعلمية واجتماعية وعقلية لا تحصل دون هذه الرحلة.

لا أبالغ إذا قلت: إنني زُرتُ أكثر من خمسين مدينة وقرية وبلدة في بريطانيا أثناء دراستي التي امتدت لأربع سنوات.. ومثلها في أمريكا وأنا طالب لدراسة اللغة الإنجليزية لتحقيق شرط قبول دراسة الماجستير؛ رأيت علماء كبار، تلقيت أشياء عن تجاربهم وأبحاثهم، حضرت الكثير من المؤتمرات، والندوات، والمحاضرات العامة لأدباء وعلماء وسياسيون، شاركت في ورش عمل في التخصص وغيره.. حضرت دار الأوبرا مراراً، والمسارح والمتاحف والسينما، تكرارًا، والأسواق الشعبية، وعقدت صداقات مع أناس كثيرين من كل الألوان والأجناس والأعراق.

من كل ذلك تعلمت: إن أفضل الناس من يعطيك ذكريات، والجيدون فقط من يعطوك السعادة.

ومن كل ذلك أدركت أن: «من الناس من يتعلم لكي يحصل على شهادة ومنهم من يريد الحصول على شهادة ليقال إنه متعلم».. والله أعلم.