مع انتهاء الربع الأول من العام الجاري فاجأت السعودية العالم بمجموعة من المبادرات الاقتصادية والإنمائية والبيئية التي أدهشت جميع المتابعين، وأكدت من جديد حيوية اقتصادها ومرونته وقدرته على تجاوز الصعاب التي خلفتها جائحة كورونا (كوفيد –19) التي يعيشها العالم في الوقت الحالي والتي تسببت في حدوث انكماش ومشكلات معقدة تعاني منها اقتصادات معظم الدول، ولم تسلم منها حتى الدول الكبرى ذات الاقتصادات الضخمة والتي ربما كانت أكثر تأثراً.

بطبيعة الحال فإن الاقتصاد السعودي تأثر كغيرة بالتداعيات السالبة للأزمة، لاسيما بعد الدعم الكبير الذي قدمته الدولة لمواجهة الآثار التي ترتبت على إغلاق الاقتصاد ووقف العمل في كافة المؤسسات الخاصة وما استتبع ذلك من تكفل الدولة برواتب السعوديين العاملين في القطاع الخاص، إضافة إلى توفير العلاج المجاني للمواطنين والمقيمين الذين أصيبوا بالفيروس، وحزم الدعم الأخرى التي قدمتها المملكة لرجال الأعمال، وهي المنصرفات التي بلغت مئات المليارات من الريالات.

رغم الإنفاق الباهظ والفاتورة العالية التي ترتبت على انتشار الجائحة، إلا أن الاقتصاد السعودي أكد قدرته الفائقة على الصمود، والسرعة الكبيرة التي سار بها في طريق التعافي، وتجلى ذلك بوضوح في استمرار المشاريع العملاقة التي لم يتوقف العمل فيها رغم الصعاب، ليس ذلك فحسب بل إن المملكة سارعت إلى الإعلان عن مبادرات متعددة ومشاريع جديدة تصب كلها في تطوير وتحسين بيئة الاقتصاد،

على هدي رؤية المملكة 2030 التي تثبت باستمرار صواب ما احتوته من أفكار، وواقعية ما اقترحته من مشاريع طموحة، بعد أن وضعت في الاعتبار كل الاحتمالات التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد العالمي، لذلك لم تكن مجرد أمنيات ورغبات.

بدت المملكة وهي تعلن تلك المبادرات الطموحة وكأنها تنافس نفسها وتسابق الزمن لإحداث التطوير المنشود الذي يستحقه شعبها الكريم. ومن أبرز المبادرات الجديدة التي تم الإعلان عنها خلال الفترة القليلة الماضية منذ بداية العام الحالي استراتيجية تطوير مدينة الرياض التي تم الإعلان عنها أواخر شهر يناير الماضي، والتي تهدف إلى وضع العاصمة ضمن أكبر عشر مدن اقتصادية في العالم، وذلك عن طريق مضاعفة عدد سكانها وتطوير مقوماتها الاقتصادية، لاسيما في مجال الصناعات غير النفطية، وتحديث بنيتها التحتية بالقدر الذي يمكنها من التحول إلى واحدة من أسرع المدن العالمية نمواً.

قبل أن يمر أسبوعان على إعلان خطة تطوير الرياض أعلن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في العاشر من فبراير عن الرؤية التصميمية لجزيرة «كورال بلوم» التي تمثّل الجزيرة الرئيسية لمشروع البحر الأحمر، وهي إحدى الجزر العصرية التي تجمع بين أحدث التصميمات الهندسية والمعمارية وأرقى الخدمات وفي ذات الوقت تستجيب لمتطلبات التوافق مع البيئة، حيث تعنى بالنباتات والحيوانات البحرية واعتبارات التنوع البيولوجي، إضافة إلى المحافظة على أشجار المانجروف التي تشكّل خطوط دفاع طبيعية ضد عوامل التصحّر والتعرية.

في ذات الإطار أعلن ولي العهد عن إطلاق شركة السودة للتطوير في منطقة عسير باستثمارات تجاوزت 11 مليار ريال، بهدف الاستثمار في تطوير قطاعَي السياحة والترفيه، لتصبح المنطقة وجهة سياحية جبلية فاخرة، تقدِّم خيارات سكنية وترفيهية متنوعة، مع التركيز على تطوير البنية التحتية بما لا يقل عن ثلاثة مليارات ريال، وهو ما يفتح الباب أمام نهضة شاملة في المنطقة.

تم كذلك الإعلان عن برامج التخصيص التي ترمي إلى ترقية أداء القطاع الخاص وجعله شريكا أساسيا في التنمية، بل وإعطائه الفرصة لقيادة الاقتصاد الوطني، عبر إتاحة الفرصة في العديد من المجالات الاقتصادية. كما تم الإعلان عن برنامج «شريك» الذي يهدف أيضاً إلى تنمية القطاع الخاص ومنحه القوة على الازدهار والنمو.

لم تقتصر المبادرات السعودية على الجوانب الاقتصادية التقليدية، بل امتدت لتشمل الجانب البيئي، عبر الإعلان عن مبادرة «السعودية الخضراء» التي تتضمن زراعة 10 مليارات شجرة، بغرض التصدي لعوامل التعرية المناخية التي تعاني منها المملكة نتيجة للعديد من العوامل، مما أسفر عن تناقص الرقعة الخضراء في مقابل تزايد رقعة النطاق العمراني. كما طرح سموه مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»، التي تشتمل على تبادل المعرفة والخبرات لزراعة 40 مليار شجرة في دول الخليج بما يحيل المنطقة إلى واحة خضراء وسط المنطقة.

هذا الحراك المتسارع وغير المسبوق يؤكد أن المملكة تسير بثبات في طريقها الذي اختطته لنفسها لتطوير واقعها الاقتصادي، وتحديث بنيتها الاجتماعية وتغيير شكل الحياة إلى الأفضل، وإحداث نهضة تنموية، استناداً إلى المنهج العلمي والعملي الذي جاءت به رؤية المملكة 2030، لتنويع مصادر الدخل القومي، واستنفار كافة القدرات، واستغلال جميع الطاقات، وفق المحاور الثلاثة للرؤية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.