«محاولة تتلوها محاولة أخرى، وخطوة تتبعها خطوات، وآمالٌ وطموحات تهدف جميعها إلى تقويم واقع التعليم في العالم العربي، ومن ثم اتخاذ ما يراه المسؤولون عنه من قرارات وسياسات بغية تطويره والرقي به وتغيير الحال إلى أحسن منه»..

بهذه الكلمات المختزلة أطلَّ علينا الأستاذ الدكتور السيد محمد بن علي الحبشي، أحد أكبر خبراء التعليم في بلادنا، حيث تقلد العديد من المناصب القيادية فيه، قبل اختياره في مجلس منطقة مكة المكرمة، وعضويته في مجلس الشورى.

يحدِّثنا -من واقع هذه الخبرات الطويلة- عن الدكتور طه حسين ومفاتيح إصلاح التعليم، ذلك المفكر والمعلِّم والمسؤول عن التعليم كوزيرٍ له فضلاً عن إدارته للجامعة، وكتابه الشهير: (مستقبل الثقافة في مصر).

يستعرضُ أستاذُنا الجليل الحبشي أهم المحطات في ذلك الكتاب، والعمق الذي أبداه طه حسين في الرد على من كان يعتقد بأن الحضارة الإسلامية كانت منغلقة على نفسها، وأنه ليس لها اتصال بحضارات وثقافات أخرى، ليؤكد بإسهابٍ بأن هذا الأمر مجانبٌ للحقيقة.

محطاتٌ عديدة توقَّف عندها طه حسين، واستعرضها المؤلف أستاذنا السيد الحبشي، بدءاً من التعليم الأوَّلي، مروراً بالبقية، إلى أن يتوقف بتأمُّل عند المعلم في مرحلة التعليم الأوَّلي ليس في جانب إلزامية التعليم في هذه المرحلة فحسب بل في التركيز على قواعد وأسس الديمقراطية ومتطلباتها وخدمتها لثقافة المجتمع الموجودة فيه، من دين ولغة وتاريخ وجغرافيا وغير ذلك، وألا تقتصر مهمتها على العناية بعقل التلميذ، بل تتعداها الى العناية بصحته وجسمه، ويركز على العناية الكبرى بالمعلم في هذه المرحلة من حيث حسنُ الاختيار وحسنُ الإعداد العلمي والمسلكي.

ويعلق أستاذنا الحبشي بأنه على الرغم من أن المعلم مسؤول في كل المراحل التعليمية أمام المجتمع وأمام الدولة، إلا أن معلم التعليم الأوَّلي مسؤول عن تلاميذ في سن يتوقف على صلاح التربية فيه صلاحُ أمرهم في مراحل العمر المقبلة.

ولا غرو أن تكون الدولة مسؤولة مسؤولية خاصة عن تلاميذ هذه المرحلة وبالتالي عن معلميها. ويروي طه حسين في سياق حديثه بأن الخطر على التعليم الأوِّلي من جهل المشرفين عليه أشد جداً من الخطر على التعليم العالي، ويعلِّق أستاذنا الحبشي بقوله: «ليت أنظمة تعليمية كثيرة قرأت هذا القولَ بعناية وأخذته مأخذ الجد منذ أن سجَّله صاحبه عام 1937، إذاً لكان أمرُ التعليم في جميع مراحله خيراً مما هو عليه اليوم.

ولأن الشيء بالشيء يذكرُ، فقد سرني استحداث وزارة التعليم في بلادنا وحداتٍ للتوعية الفكرية في المدارس والجامعات، وهي خطوةٌ مميزة تساهم في حفظ أبناء الوطن من الأفكار المنحرفة، وتجسِّد دور مؤسساتنا التعليمية في ترسيخ مبادئ الوسطية والاعتدال، وحفظ أبنائنا من التوجهات المخالفة، وتقويم مسارهم إذا ما أخطأوا وتحذيرهم من مغبة سلوك سبل الانحراف والتطرف والغلو.