كنا في الطريق إلى جيزان، نتحدث عن خطة الرحلة، أنا وأجمل الرفاق: سعيد السريحي، وعبدالله الخطيب، وصالح بوقري.. وادي لجب كان الهدف، لكنّ دعوةً إلى طُور أحمد عطيف، ذلك الشاعر الذي ملأ السماء زجاجاً يلمع، لعبتْ في حسبة تخطيطنا.. الخطيب زار الطور، والبوقري حيادي على خط النار.. أنا وشيخي سعيد نتشاور، أو على الأرجح.. نتآمر:

- قصيدته يا عادل عن جيزان...

- أنا -والله- أفكر فيها الآن.

- تلك التي يقول فيها:

جيزان نحن على الأبواب لا وصلتْ

بكِ المواصيل أن نهفو فتجفينا

نعم خفافٌ وكل الريحِ تأخذنا

وكل من غمزت بالغيِّ تغوينا

- الله..الله. ما أرقّ الاعتذار.. وما أعذب العتاب:

كنا إذا طلعتْ.. نصطفُّ أفئدةً

على التراب مجانيناً مجانينا

كدنا نصلّي على آثار خطوتها

لكنْ تخلّتْ.. فأكرمنا نواصينا

حينها قررنا أن نلبي الدعوة، شريطةَ أن نسمع من عطيف مباشرةً (أي من لسانه لآذاننا دون وسيط)، قصيدته العجيبة «زجاج العمر».. قررنا نحن الاثنين (أنا وأبا إقبال)، ثم أغوينا البوقري بالشعر، فما ضل صاحبنا وما غوى.. وكان الخطيب طيّعاً ليناً.. وهل عرفنا الخطيب إلا كذلك!!

نص (زجاج العمر) ليس جديداً كما هو معروف، نشره عطيف قبل أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وأعاد نشره عبدالله الصيخان مؤخراً في اليمامة.. لقي النص حفاوة تضاهي-وربما تفوق- حفاوة استقباله الأولى... وهذا هو ديدن النصوص الخالدة؛ لا تموت، وتبعث الحياة في عروق الناس، دون اعتبار للزمان والمكان.

في جيزان استقبلَنا صديقُنا السخي الشاعر علي الصميلي؛ بروفيسور التاريخ وملحق المملكة الثقافي السابق في اليمن.. والصميلي، لمن لا يعرفه، يمسك الطارة كأنه شوماخر، ويأخذ من آينشتاين شعرَه المسافر، يغني كعندليب: «يا مستجيب.. يا مستجيب».. هبطنا وادي لجب، ويا له من عجب (عذراً.. تلبستْني روح عائض القرني!!!).

لكنّ لجب أعجوبة إلهية بحق؛ صدعٌ كأنه تجعيدة في كفِّ الشمس؛ تكاد تلمس قلب الأرض وأنت تدلف، ثم ينبثق الوادي أمامك شلالاتٍ من الدهشة والماء.. وابن آدم لا يستطيع أمام كل هذا إلا أن يغني.. ويرقص طرباً.. هكذا فعل الزوار من حولنا، بعضهم رقص وغنى، وبعضهم مال وتمنى.. بعضهم علّق الذبيحة، وبعضهم أطلق أحلامه الفسيحة (روح الشيخ تتلبّسني مرة أخرى!!).

هناك قابلنا فيصل الريثي؛ شاب جميل ومثقف، تولى شأن جولتنا في قلب الوادي.. كلما تحدّثَ عن جغرافيا المكان، عبقت في الأرجاء نكهة القهوة، وصاح من غسق التاريخ لحنٌ شجي.. فيصل، لم يتركنا نذهب، قبل أن نذوقَ قهوته، صنعها بيده، فشربناها.. لا سكّر فيها، لكنها حلوة.. وبعض من روحه فيها.

في المساء، اجتمعنا في الطور، مزرعةِ أحمد عطيف؛ حيث الفضاء الواسع الممتد لا يعترضه شيء، لا ضوء، ولا ضوضاء... ولا صحون عشاء..!! هناك.. التقينا بالشاعر والروائي المثير علي الأمير، والفنان علي العمير، وثلةٍ من رفاق الصحافة والكتابة والأكاديميا.. طرب، وشعر، وحبرُ ذكريات، وحكايات صحافة ومغامرات.. كان مساءً رقيقاً حلواً، كأنه فرّ من رئة الكادي.. وحين استوى بنا ليل المقام.. طلبنا النص من مضيفنا، فابتسم بخجل.. ثم أنشد:

شهْدَ الخليِّ وغسلين المحبينا

مسّاك بالخير.. ماذا لو تُمسّينا؟

جئنا لبابكِ خطّارين فالتفتي

يفديكِ أكـرمُ ما أبقيتِه فـينا

جئنا نبوح بما فينا.. فأوُّلُنا

عذرٌ.. وآخرنا عتبى فذوقينا.....