قبيل رمضان بأيام وكعادته كل عام بل كل فترة من أيام السنة يحيط بي من نواحٍ متعددة صوت يذكرني بالمدينة المنورة وأيام النشأة والصبا والشباب بها ويعمق حبها في داخلي، فألتفت يمينًا ويسارًا فإذا به عاصم حمدان ليقول لي رمضان كريم وكل عام وأنت بخير يا بو صلوح، أتذكر هذا ونحن على أبواب رمضان المبارك هذا العام مع غياب صاحب الصوت، صوت كله حنين وشوق للمدينة، يذهب بك بعيدًا إلى نواحٍ متعددة في المدينة ويجعلك إن كنت قادمًا من جدة ودخلت المدينة يحدثك كتابه «أشواق باب العنبرية» ما فيه من حنين وأشواق تجتاح غرف القلب وتخيم في تلافيف الدماغ بما في العنبرية من بيوت وتتعرف على الاستصيون الذي حط القطار رحاله فيها من أكثر من مئة عام وتشاهد مبنى التكية المصرية ومدرسة طيبة الثانوية والمسجد ذي الحجارة السوداء الذي بناه السلطان عبدالحميد (مسجد العنبرية) ثم يسير بك الكتاب حيث يقابلك مسجد الغمامة وبيت الخريجي ويتركك برهة بعد أن قضيت وقتًا في العنبرية إلى أن تتصفح كتابه عن «المناخة» وسط المدينة حيث تصطف على اليمين من المناخة العديد من المحلات والمتاجر ما بين سوق الحبابة وسوق السمن والمضير وسوق البرسيم ومسجد سيدنا مالك والحماطة ومسجد الخريجي وقبله سوق التمر والطباخين والعياشة وتفتح المناخة على شارع طويل موصل للحرم يسمى شارع العينية وهو أول مول على مستوى العالم تصطف دكاكينه التي تزيد عن مئة دكان على الجانبين وكتبت عنه مقالاً في صحيفة عكاظ تحت عنوان «مول العينية» فأهل المدينة يشترون منه كل حاجتهم خاصة في ليالي رمضان وعند اقتراب موعد العيد حيث يقضون لوازم وملابس العيد منه ومن فروعه الجانبية سوق الشروق (القماشة) وسوق سويقة والذهب وباب المصري ويبدأ شارع العينية أساسًا من باب السلام ويتفرع عنه في الوسط بزقاق صغير يسمى القفاصة إلى الساحة والحماطة كما يتفرع عنه في الوسط شارع آخر كبير إلى سوق البرسيم، وإذا عدت من رحلتك من وسط المدينة تنشد يسار المناخة فهناك مسجد سيدنا أبوبكر ومسجد سيدنا علي بن أبي طالب والعين التي بجوارهما ثم مداخل أحواش زقاق الطيار وحوش كرباش وقهوة الفأر بجوار بنك الرياض وزقاق جعفر ومراجيح المناخة وعمارة الغسال وطلعة القلعة ومستشفى النساء والولادة ونهاية المناخة مستشفى الملك ومدرسة النجاح النموذجية التي درست أنا فيها المرحلة الابتدائية بجوار مسجد السبق وطلعة ثنية الوداع وجبل سلع وغزوة الخندق ثم امتداد المناخة يوصل إلى سيدنا حمزة وجبل أحد ولاشك أن المناخة كانت الشريان الرئيس المغذي للعديد من أبواب المدينة المنورة في العهد القريب فهي تصلك بباب الشامي وباب المجيدي وباب الكومة وباب المصري وباب العنبرية وباب التمار.. كل هذه الأبواب تتم تغذيتها من المناخة بطريقة أو أخرى.

ثم تترك المناخة لتفتح كتاب «حارة الأغوات» وما بها وما حولها والذكريات التي فيها.. يحدثك عن التاجوري والساحة والسيح والعطن وشارع أبا ذر والحرة الشرقية والحرة الغربية وشارع سيدنا حمزة وجبل أحد والعيون وسلطانة والمساجد السبعة وقبل ذلك قباء والقبلتين وهكذا فان كتبه ومؤلفاته كانت تحمل حنين وأشواق عاصم حمدان التي كان يحدثنا عنها شفاهة وترك بصمته إرثًا كتابيًا كما ترك كتبًا أدبية وتاريخية عن المدينة المنورة إلى أن اختاره الله في رمضان العام الماضي إلى جواره.. فرحم الله الصديق الغالي ابن المدينة المنورة الدكتور عاصم وجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر وجميع أمواتنا وأموات المسلمين.