مازالت أصداء الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لكل من المملكة ودولة الإمارات تتصدر استهلالات الصحف العربية والعالمية التي أجمعت على أنها أعادت للعراق توازنه، كما علقت آمالا كبيرة على أن ترافق الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها ضمانات ذاتية وضمنية لحماية مكتسبات البناء الأخوي وعدم إتاحة الفرص لأي عامل خارجي قد يحاول زعزعة الثقة وهدم ما تم بناؤه، ووصفها السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، بأنها باب يخرج العراق من انعزاله عن محيطه العربي وخطوة نحو الطريق الصحيح.

إن انفتاح العراق على جيرانه وأشقائه العرب بات أمرًا ملحًا تفرضه المصلحة الوطنية للعراق بعيدًا عن ما يتخيله أعداء العراق من أنه سياسة محاور، بل بناء شرق جديد، وبناء عمق العراق العربي في مواجهة التحديات الجيوستراتيجية - الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط -كما أشار الكاتب العراقي (شكاره)- خاصة تلك التي تنطلق من عمق غير عربي، والشاهد أن تلك الزيارتين أثمرت عن انعاش الاقتصاد العراقي بـ6 مليارات دولار، وعن فتح آفاق وعلاقات أكثر فاعلية وبما يحقق طموحات المخلصين من أبناء العراق.

إن المراحل التي مر بها العراق الشقيق ليست بالسهلة، بل كانت صعبة عانت فيها البلاد أمنيًا واقتصاديًا بسبب تغير أنظمة الحكم باختلاف توجهاتها السياسية التي قادت العراق إلى التمزق وبددت ثرواته، وليس بخاف أنه مر بالاحتلال الأمريكي، وبداعش، كما لم يسلم من التدخل الإيراني الذي جاء عقب نهاية الاحتلال الأمريكي، وهو ما تسعى الإدارة الحالية في عهد (الكاظمي) من تحييده وجعل العراق بلدًا مستقلاً بعيدًا عن سياسة المحاور، فـ(الكاظمي) جاء بناء على طلب الشعب وبعد انتفاضة شعبية اندلعت في عهد رئيس الوزراء السابق عادل المهدي، وأوكل الشعب لـ(الكاظمي) نقل العراق إلى مصاف الدول التي تحكم نفسها بنفسها والقضاء على الفساد ومن التبعية للنظام الإيراني، الأمر الذي جعل (الكاظمي) يشدد في طهران عند زيارته لها على ضرورة التزام كل بلد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلد الآخر، موضحًا بأن حكومته تتبع سياسة خارجية قائمة على التوازن والابتعاد عن سياسة المحاور، وها هو اليوم يعيد بوصلة العراق باتجاه محيطه العربي، زائرًا لأهم الفاعلين القادرين على دعمه، وبناء علاقات سياسية واقتصادية مع أشقائه لجعل العراق بلدًا مستقلا وصاحب قرار، ويرمم الجسور لتعود إلى سابق عهدها قوية متماسكة، ويعيد كذلك أوجه التعاون الذي كان يربط الشقيقتين (مصر والأردن) بالعراق لتحقيق التكامل والتعاون الاقتصادي في إطار مشروع (المشرق الجديد) الذي تعتزم الدول الثلاث تشكيله، كل ذلك لاشك ينبئ عن أن المشروع الإيراني المدمر للعراق آخذ بالتآكل لفطنة الحكومة وإصرار الشعب على نبذ كل حكومة تشكلها أو تدعمها طهران.