على وقع الانهيار الاقتصادي تغير المزاج اللبناني العام، وعاد المزارعون لإعادة زراعة الحشيش بدلا من البطاطس!

كنت في بعلبك قبل سنوات بعيدة، عندما اكتشفت أن النبتة التي وقفنا عليها للصلاة قرب القلعة التاريخية الشهيرة هي نبتة الحشيش، وكتبت من هناك سلسلة تحقيقات مثيرة عن مزارعي الحشيش المؤمنين الذين يتعاملون مع زراعة الحشيش باعتبارها مصدرًا من مصادر الرزق الحلال!

ثم كان ما كان وصدرت قرارات مهمة بمنع زراعة الحشيش، واكبتها عدة تسهيلات لزراعة منتجات أخرى أهمها البطاطس حيث انخرط المزارعون في زراعتها وتنافسوا في تحقيق إنتاج غزير منها، غير عابئين بإغراءات التجار الكبار الذين كان بعضهم يستعين بطائرات خاصة تهبط مباشرة أرض الحشيش تأخذه إلى جهات غير معلومة أو معلومة لا يهم!

قبل يومين فقط رحت أقرأ ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية على ألسنة مزارعي الحشيش الجدد «علهم أبناء من التقيتهم في التسعينيات، وهم يؤكدون اضطرارهم لزراعة الحشيش المخدر ليس حبًا فيه فهم لا يعرفون طعمه ولكن لأن كلفة زراعة البطاطس زادت عن الحد، وأصبحت زراعتها (خراب بيوت)»!

والذي حدث أن السلطات اللبنانية أقرت في 2020 قانونًا بتنظيم زراعة القنب الهندي للاستخدام الطبي فقط، على اعتبار أن من شأن ذلك توفير مئات ملايين الدولارات للخزينة، ورغم أن القانون لم يدخل حيز التنفيذ بعد، فقد نشط مروجو زراعة الحشيش بين صغار المزارعين، الذين أعيتهم الحيلة في مواجهة الوضع الاقتصادي المتردي، مبشرين بأن الحشيش هو الحل!

ويقول أحد الذين باشروا زراعة الحشيش بالفعل: «كنت أزرع البطاطس بكميات كبيرة والحمص والفاصوليا.. لكنها زراعة خاسرة اليوم، أما الحشيشة فأمرها سهل، خصوصًا أنها بعكس الزراعات الأخرى، لا تحتاج إلى أسمدة ومواد كيميائية»، وباتت تباع بالدولار أو بحسب سعر الصرف في السوق السوداء الذي تخطى عتبة 12 ألفًا للدولار الواحد.

ويشير أحد المزارعين الذي اختار لنفسه اسمًا وهميًا، مفضلا عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، إلى فلاحين اضطروا لبيع منازلهم أو أراضيهم لسداد ديون تراكمت عليهم للمصارف أو حتى للمرابين!

بدوره، قال وزير الزراعة عباس مرتضى للوكالة الفرنسية مستعجلاً صدور قرار تنظيم زراعة الحشيش: إنه كان مفترضًا أن يحقّق القنب الهندي مدخولاً بقيمة 350 مليون دولار في السنة الأولى، على أن «نصل إلى مليار دولار» بعد خمس سنوات.. ويضيف: «نحن بحاجة ماسة لأن تتشكل حكومة.. حتى نشكل هيئة ناظمة تصدر عنها المراسيم التطبيقية».

هكذا تأخر تشكيل الحكومة في لبنان فعاد المزارعون لزراعة الحشيش، ويقينًا لو تأخرت أكثر وتأزم الوضع الاقتصادي أكثر وأكثر سيعود العمال لتصنيع «الهيرويين»!

تنتشر المخدرات في ربوع البلد الصغير حجمًا والكبير قيمة، وقد تصل للطلاب أيضًا بحيث يكون الحشيش موحدًا للعمال والفلاحين والطلبة، حتى يعتدل أو ينعدل أو ينصلح مزاج الساسة في لبنان، ويشكلون الحكومة ويحركون عجلة الاقتصاد.. ولله في خلقه شؤون.