سألتني إحدى القارئات عن علاقتي بالقراءة.. فقررت أن تكون الإجابة كبسولات مختصرة على شكل يوميات.. تأتي على حلقات.. بمعنى آخر سأجيب عن القراءة وأحوالها كلما تيسرت الإجابة.. وأجوبة القراءة -كما تعلمون - مثل أسئلتها لا تنتهي. لذلك هاكم « الحلقة الأولى» من اليوميات:

الأحد: القراءة لها طقوس، وطقوسها كثيرة، منها الاستعداد النفسي، ومنها الاستعداد الزماني والمكاني، ولعلّ أهمها أن تستقبل معاني الكتاب بقلبك، وإلى هذا أشار الفيلسوف البرتو مانويل حين قال: (عندما تقرأ استقبل المعاني بقلبك).

الاثنين: هناك مقاييس كثيرة للكتاب الجيّد، ومن الصعب حصرها، ولكن الدكتور بهجت سمعان أشار إلى واحد من أهمّ هذه المقاييس عندما قال: (ستعرفُ أنك قرأت كتاباً جيداً عندما تقلب الصفحة الأخيرة وتحس كأنك فقدت صديقاً).

الثلاثاء: للقراءة فوائد كثيرة، ومن الحماقة أن نختصرها في سطر، ولكن لا مانع من أن نشير إلى واحدة من أهمّ فوائد القراءة، والتي استفدتُ منها أنا -على الصعيد الشخصي- كثيراً، ألا وهي قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ، لذلك عندما سُئل عبد الله البخاري عن أفضل دواء للحفظ؟ قال: (إدمان النظر في الكتب).

الأربعاء: يجتمع الصديق والكتاب في صفات إيجابية مشتركة كثيرة، وأيضاً يختلفان في صفات أخرى، ولعلّ أبرز صفة تميِّز الكتاب عن الصديق وتمنحه أفضلية عليه، هي أن الكتاب خيرٌ لا شرّ فيه، بينما الصديق قد يأتيك بالخير والشرّ أحياناً، ولذلك قال ابن المقفع: (كُل مصحوبٍ ذو هفوات والكتاب مأمون العثرات).

الخميس: الركض من وسائل تنمية الجسم، والطعام من وسائل تغذية البدن، ولكن ما الذي يحرِّك الذهن ويجعله خصباً؟ هذا سؤال أجاب عنه الفيلسوف جوبير فقال: (يُخصِبُ ذهنك ويشُقُ أمامكَ جديدَ الآفاق عندما تنكبُ على قراءة الكتب) .

الجمعة: لكلِّ منزل نوافذه الحسِّية التي يدركها كلُّ شخص حين يتلمّس الجدار، ولكن هناك نوافذ معنوية يدركها كلّ محبّ للقراءة، لأن الكتب في المنازل هي نوافذ تسمح بدخول الأفكار والرؤى والتصوُّرات، وفي هذا يقول الفيلسوف بيتشر: (الكُتب نوافذ تشرف منها النَّفس على عالم الخيال فبيتُ بلا كتب كمخدعٍ بلا نوافذ).

السبت: الحضارة لها تعاستها ولها سعادتها، والسؤال هنا هو: من أين تأتي سعادة الحضارة؟.. يجيبنا أحد الفلاسفة: (الكتب سعادة الحضارة.. بدونها يصمت التاريخ ويخرس الأدب ويتوقف العلم ويتجمد الفكر والتأمل).