المباحثات الجارية هذه الأيام في (فيينا) بين إيران من جهة والدول الخمس الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، لا تبشر بخير رغم التصريحات المتفائلة، بل تمنح المزيد من الوقت للإيرانيين للتقدم في عملية التخصيب، وأصبح واضحًا أن الإيرانيين يملون شروطهم من أجل العودة إلى الاتفاق النووي، شروط تعجيزية، ففي الوقت الذي طالب فيه وزير الخارجية الإيراني (ظريف) بتعويضات عن الأضرار الاقتصادية التي ألحقتها إدارة (ترامب) بالاقتصاد الإيراني، قدم نائب وزير خارجيته ورئيس الوفد الإيراني في المفاوضات قائمة بالعقوبات التي يجب رفعها قبل اتخاذ أي خطوة من قبل بلاده، ومعلنًا بأنه بدون هذه القائمة لن يكون هناك تقدم في المفاوضات، بالإضافة إلى رفع العقوبات عن أطراف ثالثة تمت معاقبتهم لتعاونهم مع إيران.

ويتبادر للأذهان سؤال حول ما يحدث، تفرضه التناقضات، وهو: هل أن الإيرانيين جادون في العودة للاتفاق النووي بالشروط الجديدة التي تعتزم الولايات المتحدة وبعض الدول المشاركة في طرحها والتي طالب مجلس التعاون الخليجي بها والمتضمنة أن لا تقتصر المفاوضات الجارية في (فيينا) على البرنامج النووي الإيراني، بل يجب أن تشمل السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة؟ .

وللحقيقة فإن من يعرف حقيقة السلوك الإيراني، يدرك بأنه لن يتم إحراز أي تقدم في هذا الجانب، وما يجري الآن هو لعبة (شراء وقت) ففي الوقت الذي يجلس مندوبهم مع نظرائه في (فيينا) أعلنت فيه بلاده عن نجاحها في استخلاص أول كميات من اليورانيوم (235) المخصب بدرجة نقاء 6% في خطوة كبيرة تمكنها من القفز بنسبة 90% المطلوبة لتطوير أسلحة نووية، وتأتي هذه الخطوة استجابة لرغبة المرشد الإيراني علي خامنئي الذي دعاهم في كلمة له بمناسبة يوم الجيش قائلًا: (ارتقوا بالاستعدادات إلى الحد المطلوب)، كما دشن الرئيس الإيراني حسن روحاني رسميًا سلسلة من (164) جهازًا للطرد المركزي في منشأة (نطنز) النووية تزامنًا مع محادثات (فيينا).

يجب ألا نراهن على أي طرف، ويجب ألا نعلق الآمال على النتائج التي ستخرج بها هذه المحادثات، فما يدور خلف الكواليس هو أن الولايات المتحدة تريد أن تعرض صفقة للإيرانيين تتضمن تخفيفًا للعقوبات لكي تعود إيران للاتفاق، وأن المفاوضين الإيرانيين والأمريكيين يبحثون عن سبل لفك عقدة العقوبات ورسم مسار لرفعها، في وقت صرح فيه روبرت مالي المبعوث الأمريكي الخاص لإيران بأن بلاده على استعداد لإزالة نحو (700) من نحو (1500) سلة عقوبات فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة على إيران، ويأتي بعد كل أولئك المبعوث الصيني في المحادثات الجارية ليقول: إن جميع المشاركين في محادثات الاتفاق النووي متفقون على الإسراع في المفاوضات والعمل على إلغاء العقوبات المفروضة على إيران.

كثيرون يرون أن إدارة الرئيس بايدن تخضع للابتزاز النووي الإيراني، ومن بين أولئك أعضاء في الإدارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي بمجلسيه الجمهوري والديمقراطي، وهم محقون في رأيهم، واهم من يصدق أن إيران ستتخلى عن مستقبل برنامجها الباليستي، وممارسة عدوانها على جيرانها، وحالة حقوق الإنسان بعد رفع العقوبات عنها والتي شلت اقتصادها، كيف يتحقق ذلك من دولة مارقة وقد أعلنت لأكثر من مرة أن برنامجها الصاروخي حق دفاعي يختص بأمنها القومي؟. لا نريد أن تفاجئنا كما فاجأت كوريا الشمالية العالم بإعلانها دولة نووية.