لا يمكن ولا يجوز بل يصح أن تصبح إثيوبيا مثل إسرائيل، تقرر وحدها وتنفذ وحدها وتتحكم في النيل كما تتحكم إسرائيل في القدس! ثم إن الاتفاقية الثلاثية التي وقعتها مع القاهرة والخرطوم ليست بمثابة كامب ديفيد جديدة، ببنودها الظاهرة والمخفية! وتخطئ أديس أبابا إن هي تمسكت كما قال متحدثها الرسمي برفض ما أسماها بالضغوط الداخلية والخارجية، وتخطئ أكثر إن تصورت أن الشعب المصري يمكن أن يصبر على العطش والجوع، فالناس في مصر وفي كل مصر إذا جاعوا خرجوا لن يوقفهم مد ولا جذر

لقد باتت إثيوبيا تنام أو تُنيم شعبها ببيان، وتوقظه على آخر، وكأنها تبث فيه روح الاطمئنان، والشعب الصديق بل الشقيق هناك، لا يدري أن شعبًا آخر وصل به المقام إلى حد المطالبة عند العبث بمياه النيل بالحرب بل والانتقام!

في فلسفة التغير، يقول رائدها هيراقليطس ''إنك لا تنزل إلى النهر الواحد مرتين لأن مياهًا جديدة تجري حولك» بل إنك قد لا تستطيع نزول النهر مرة واحدة.. فما بالك وأنت تنزل وتبني وتسد، ولا تعير من حولك أي اهتمام ولا تمنحه أي اعتبار، بدعوى أنك أخذت توقيعه على ما تفعله!

لن أخوض كثيرًا في مفاهيم التغير والصيرورة، ولا حتى في مفاهيم الثبات التي تبناها بارمنيدس، ولا في ربط التغير أو عدم ربطه بالهوية، ولا في تفسير هيدجر لمقولة هيراقليطس، لكني قد أتفق مع الأخير «هيدجر» في أن المسآلة مسألة وجود! وفي أن ماء النهر مثلا لا يدوم في ثبات بل يدوم في حركة لا يمكن القول بعدها: إن ماء النهر الذي لمسته الآن هو ماء النهر الذي سألمسه بعد ساعة!

أنت قد تلمسه الآن وكل جزيء من مائه يتكون من (H2O‏) ذرتي هيدروجين وذرة اوكسجين، لكنك قد تلمسه فيما بعد وكله حمم من الغضب النابع من المصب!

هذا على صعيد اثيوبيا إن هي استغرقت في تقليد اسرائيل، والفرق كبير كبير، أما على صعيد الطرف الآخر، وخاصة مصر فيصبح من العيب بل من العبث أن تباشر اثيوبيا الملء ويباشر البعض الآخر تفريغ الموضوع من معناه!

والموضوع باختصار أننا تهاونا في مبدأ بناء سد على دولة المصب، بل باركه الوفد الشعبي واختار له الاسم! فلما بدأ الملء الأول مارسنا المزيد من التهوين وقلنا إن ماء النيل زاد عن الأول!

تصر اثيوبيا على بناء سد على دولة المصب غير آبهة بأي مد، لكن الخطورة أن يمارس البعض هدم الهمم واغراق الذمم..

تصر اثيوبيا على الملء الثاني بتنسيق أو بلا تنسيق.. لا فرق.. صدقوني لا فرق فما قيمة أن تتحكم في مياه النهر بتنسيق؟!

فان كان لابد فلا تهدم قيم النخوة والهبة وتجعل المسافة بين حب النيل وقيم اسرائيل.. تضيق!

الآن وفيما يتم التمهيد الإثيوبي العملي على الأرض -أرض النيل- يبدأ البعض في التقليل كذلك من خطورته وضرورة تحمله بل وتقبله بل وحبه أيضًا! لن أناقش أو أدخل في مجادلة مع أي فرد يمارس التهوين، أو التقليل، ويروج للبحث عن بديل، ولحب الملء الثاني على طريقة الملء أو الحب الأول، لكني سأقول له ما قاله مزارعنا القديم «حبك بورص وعشرة من هؤلاء الخرس»!.