كشف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن تطلع المملكة لوجود علاقات طبيعية بينها وبين إيران، مؤكداً عدم رغبة بلادنا في تفاقم الأوضاع بطهران إلى الأسوأ، وقال في لقائه الذي أذيع الأسبوع الماضي: «لا نريد أن يكون وضع إيران صعباً، بالعكس، نريد لإيران أن تنمو وأن يكون لدينا مصالح فيها ولديها مصالح في المملكة لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار».

تلك الرؤية الواضحة والنظرة الصائبة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن السعودية لم تكن السبب يوماً في أي توتر للعلاقات مع جيرانها، وأنها لا تسعى للخصومة والعداء، بل تمد يدها للآخرين بالسلام، بيضاء من غير سوء، وتركز على تحقيق المصالح المشتركة مع الدول المحيطة، لاسيما في هذا العصر الذي تشابكت فيه المنافع المتبادلة وباتت لغة العصر في السياسة الدولية.

بدءاً لا بد من التأكيد على أن المشكلات التي تحول دون وجود علاقات طيبة بين المملكة وإيران تعود بالأساس إلى طبيعة السلوك الإيراني الذي ما فتئ يفتعل المشكلات، ويتدخل سلباً في شؤون دول المنطقة ويتمسك بتصدير مبادئ ثورته إلى دول الجوار، وهو السبب الرئيسي في تراجع العلاقات بين البلدين، لاسيما بعد غض نظام الملالي للطرف عن المتشددين الذين هاجموا مبنى السفارة والقنصلية السعودية وأضرموا فيها النيران، في تصرف لا يمت بأي صلة لمبادئ احترام الممثليات الدبلوماسية وما نصت عليه اتفاقية فيينا في هذا الشأن.

كذلك فإن التدخلات الإيرانية السالبة في البحرين والعراق وسورية ولبنان واليمن كان لها دور رئيسي في تدهور علاقات إيران، ليس مع المملكة فقط، إنما مع كافة الدول العربية ودول المنطقة، لأن الانهيار الأمني في تلك الدول لا بد أن تمتد تداعياته لتشمل الجميع، مع ما يتبع ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية مدمرة.

والمملكة، انطلاقاً من واجبها الأخلاقي كقائدة للعالمين العربي والإسلامي، لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي وهي تنظر للعبث الذي تمارسه طهران في عدد من الدول العربية، وأنشطتها الهدامة في تلك الدول، وحرصها على تجييش الميليشيات الطائفية المسلحة، وتأجيجها للنعرات المذهبية، وافتعال كافة ما يضع المنطقة على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.

ومع أن المسؤولين الإيرانيين لم ينتظروا لأكثر من سويعات محدودة حتى أعلنوا عن ترحيبهم بتصريحات الأمير الشاب، إلا أن عليهم إدراك أن الطريق إلى علاقات طبيعية وجيدة مع مختلف الدول العربية ومع المجتمع الدولي يمر عبر المملكة،

ولأجل قطع ذلك الطريق فإن هناك جملة من الشروط التي ينبغي توفرها والقرارات التي على النظام الإيراني اتخاذها كبادرة لإعلان حسن النوايا، وفي مقدمة ذلك كف اليد عن إلحاق الأذى بالآخرين، ووقف التدخلات السالبة في شؤون دول الجوار.

وفي مقدمة الخطوات التي لا بد لطهران من القيام بها وقف الدعم الذي تقدمه لجماعة الحوثيين الإرهابية، فكما أوضح سمو ولي العهد فإنه لا توجد دولة في العالم تقبل بوجود هذه الميليشيات المسلحة على حدودها، ونظراً للعلاقة القوية التي تجمع بين الطرفين فإن تسوية الأزمة في اليمن تبقى أولوية على ما سواها، وأن يتم ذلك بصورة فورية وبدون أي مساومات أو مماطلة.

مشكلة النظام الحاكم في طهران أنه لا زال يدور في فلك مرحلة الثورة ولم يتحرر من ذلك ليصل إلى مرحلة الدولة، فالقرارات التي يتخذها دائماً ما تكون متشنجة دون اعتدال أو تبصر أو اتباع لمبادئ العلاقات الصحيحة مع الآخرين، مع تجاهل الأساليب الدبلوماسية التي ينبغي مراعاتها في التعامل بين الدول.

كذلك يلاحظ أن ذلك النظام منذ قدومه في أواخر سبعينيات القرن الماضي لا يستطيع العيش بدون وجود عداوات مع الآخرين، بدءاً من افتعال الحيثيات التي قادت إلى الحرب مع العراق، ومروراً باحتلال الجزر الإماراتية، واختلاق الأزمات في البحرين ولبنان والعراق وسورية واليمن، حتى لم تكد تسلم دولة في العالم من تجاوزاته العديدة.

كذلك فإن البرنامج النووي المثير للجدل هو من العقبات التي تمنع طهران من التمتع بعلاقات متوازنة مع العالم كله، إضافة إلى برنامج الصواريخ الباليستية، وهو ما ينبغي على طهران معالجته بالتماهي مع متطلبات المجتمع الدولي والالتزام بالجوانب السلمية.

على النظام الإيراني أن يعي جيداً أن يد السعودية الممدودة بالسلام هذه المرة قد تكون الفرصة الأخيرة له للخروج من المشكلات العديدة التي ورّط نفسه فيها وأدخلته عنق الزجاجة وجعلته شبه محاصر من الآخرين، وأورثت شعبه الفقر والحاجة بعد أن كان ذات يوم قريب من أغنى شعوب المنطقة، لكنها حتما لن تكون يداً ممدودة بلا مقابل، فإن أراد النجاة من المصير المظلم الذي يسير نحوه فإن مهر السلام غالٍ ومعروف الثمن.