قد يبدو لأول وهلة أن عنوان المقال هو وصف التصرف غير الحازم والذي ينقاد بأهواء ومصالح الآخرين، ولكن المقصود هنا هو الاسم المستعار العبري لأحد أهم مؤسسي الحركة الصهيونية وهو البولندي «جابوتنسكي» الذي كان من قيادات الصهيونية الإعلامية والفكرية في مطلع القرن العشرين. وقد أُطلق الاسم على باخرة غيرت تاريخ الكيان الصهيوني.. وملخص تفاصيلها هو كالتالي: في فترة النكبة، وعندما اشتدت حرب 1948 وتأسس الكيان في شهر مايو، كانت الخلافات كبيرة بين الفئات المسلحة الصهيونية المختلفة: أكبر المليشيات كانت «الهاجاناه» على وزن «حقّنا»... ومعناها الدفاع بالعبرية.. وكانت تحت قيادة رئيس الكيان «دافيد بن جوريون»، وكانت تمثل القوة «الرسمية» لتصبح فيما بعد تلك الفترة «تزاحال» أي قوات «الدفاع الإسرائيلية». وأكبر المليشيات المنشقة كانت «الإرجون» وكانت تحت قيادة «مناحم بيجن» اليميني المتطرف الذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء في يوليو 1977. وكان يفتخر بأساليبها الإرهابية في عشرات العمليات الإرهابية وعلى رأسها مذبحة دير ياسين الدموية على مشارف القدس الشريف في 9 أبريل 1948، والتي قتل فيها أكثر من ثلاث مائة وستين من المدنيين العزل. كما كانت «الإرجون» خلف تفجير فندق «الملك داود» في القدس في 22 يوليو 1946 مما أسفر عن مقتل وجرح مئات العرب والإنجليز. وكانت هناك محاولات لتوحيد الصف القتالي الصهيوني، ولكن الأرجون رفضوا ذلك وتم إرسال باخرة «الطلينة» في يونيو 1948 من فرنسا إلى «تل أبيب».. وكانت محملة بالعتاد الحربي وحوالي ألف مقاتل.. وكانت تعمل ضمن خطة لإنزالهم سراً لتفادي القوات الإنجليزية التي كانت لا تزال تحتل فلسطين وتفرض منع انتشار التسليح.

ونشأ الخلاف الكبير بين «مناحم بيجن» قائد الإرجون و «اسحق رابين» قائد القوات شبه النظامية مما تصاعد إلى تراشق النيران الكثيفة بين القوات، فتسبب في قتل وجرح عشرات الصهاينة وإغراق الباخرة على شواطئ تل أبيب حيث ترقد في قاع البحر إلى اليوم. وكادت تلك الواقعة أن تتسبب في حرب أهلية صهيونية. الشاهد أن بعدها لم يسجل تاريخ الصهاينة أية معارك يقتل فيها اليهودي أخاه. وهنا لابد لنا من وقفة: تاريخ بعض الدول العربية مليء بقتل العرب لإخوتهم بسبب أعذار لا يصدقها العقل المتزن.

وإن كان لديك أي شك في ذلك، ففضلاً راجع أحداث الحروب الأهلية العربية وهناك المزيد من القصص التي تستحق وقفات تأمل: في الدول التي تعتبر من أهم مصادر زراعة وتجهيز وتهريب المخدرات وتحديداً في جمهورية السلفادور في أمريكا الوسطى كانت المنافسة شديدة بين عصابات التهريب المعروفة باسم «مارا»، وتلك المنافسات كانت شرسة بمعنى الكلمة، ففيها تجلت أبشع وسائل القتل، والتعذيب، وباقي أنواع الإجرام بأشكاله وألوانه المخيفة.. ولكن في خطوة مفاجئة للجميع، قررت العصابات إيقاف عمليات العنف لأن تلك الأنشطة كانت تؤثر سلباً على عوائد توزيع المخدرات بالذات إلى جيرانهم في الشمال. وأدت تلك الخطوة أيضا إلى فتح مجالات جديدة في التعاون مع الجهات الإرهابية حول العالم لتمويل أنشطتها.

أمنيـــــــــــة

نجد فيما تم عرضه في العجالة أعلاه أن الصهاينة الذين اختلفت آراؤهم ومناهجهم بشدة استطاعوا أن يتفقوا لمصلحة كيانهم.. وحتى العصابات في دول زراعة وتهريب المخدرات حققوا مستويات عجيبة من التعاون للمصلحة العامة. أتمنى أن نرى اليوم الذي تتفق فيه القيادات العربية والإسلامية على تحقيق المصالح ومن أهمها إيقاف القتال وخصوصاً في ضوء المبادرات التي طرحتها قيادتنا عبر السنوات بجدية، وصدق، وتوفيق من الله عز وجل، وهو من وراء القصد.