لم أكن أتصور وأنا أستمع لمطربي المفضل محمد عبدالوهاب في غرفتي بفندق متروبول بمدينة البندقية الإيطالية عاصمة فينيسيا الجميلة، أن الجندول المقصود كان هنا في نفس المدينة الساحرة وليس عندنا في نهر النيل!، والحق أنني قضيت سنوات طويلة أربط بين الجندول والنيل لعدة أسباب أولها أن المرة الوحيدة التي سمعت فيها أبي يدندن، كانت على وقع هذه الأغنية، فلما لمحني ابتسم من فرط الدهشة، سألني وقد كان شاعراً كبيراً: هل تعرف من هو الشاعر مؤلف هذه الأغنية؟ فقلت علي محمود طه، فأضاء وجهه بالرضا! والسبب الثاني أن رئيس التحرير في لندن الدكتور صلاح قبضايا كان متيماً بحب عبدالوهاب، ومن ثم في كل مرة يأخذني معه من لندن الى مدينة بورتسموث، يسمعني الجندول! ثم إن اللحن الرائع فضلاً عن المشاهد التي كانت تصاحب الأغنية «بالأبيض والأسود» كانت كلها توحي لي على الأقل أن الجندول يتهادي في نهر النيل، والأهم من ذلك، أن عبدالوهاب يقول في نهاية الأغنية:» آه لو كنت معي نختال عبره... في شراع تسبح الأنجم إثره.. حيث يروي الموج في أرخم نظرة... حلم ليلة من ليالي كليوبترا!

هكذا ارتبطت قصيدة «الجندول» في ذاكرتي بنهر النيل، حتى عندما بت ليلتي في البندقية التي كان يتغزل فيها الشاعر مردداً: أين من عيني هاتيك المجالِ... يا عروس البحر يا حلم الخيالِ.. أين عشاقك سمار الليالي... أين من واديك يا مهد الجمالِ.. موكب الغيد وعيد الكرنفالِ... وصدى البلبل في عرض القنالِ!

رحت أفتش عن سر افتتاني بالجندول، وأنا متوزع الخيال بين سحر البندقية وجمال النيل، وتحققت من كون الجندول كان بالفعل يمضي في البندقية، حين كانت الشمس الغاربة ترسل أشعتها الأخيرة على صفحات الماء، وفى حواشى الغمام الأبيض، وقد بدت منائر فينيسيا الرائعة ذات القرميد الأحمر، والآجر الوردى، كأنها سهام من النار مصوبة إلى عدو لما تظهر طلائعه فى الأفق البعيد! مع ذلك، فقد هاجت به الذكرى فراح يقول: أنا مَن ضيّع بالأوهام عُمرَه... نسي التاريخَ أو أُنسي ذِكرَه... غير يوم لم يعد يذكر غيره يوم أن قابلته أول مرّة. قلت والنشوة تسري فى لساني... هاجت الذكرى فأين الهرمان؟ أين وادي السحر صداح المغاني، أين ماء النيل أين الضفتان؟ يرددها عبدالوهاب بصوته الماسي الرائع، فينتابني الحنين حد البكاء للنيل الجميل!

الآن أجدني في كل ليلة، أو في جزء مستقطع في مكتبي نهاراً، مندفعاً للجندول، حيث تتلاشى تدريجياً مشاهد فينسيا الجميلة وتنصهر مشاهد النيل في أي مكان ولو في «منشية جريس»! والأخيرة هي قرية صغيرة، كنا نحمل زادنا وزوادنا على طريقة البدو الرحل، ونذهب إليها من «الرملة» على الأقدام.. حقائبنا على ظهرنا للتخييم فيها وتحديداً في حضن النيل هناك على فرع رشيد الذي يمر ليمنح المنوفية بركتها أسوة بكل ما مر به من محافظات قبل أن يصل إلى البحر المتوسط!.

يتولى بعضنا الصيد، ويتولى آخرون الطهي، ويختص أحدنا بتوفير الماء للشرب والطهي والشاي! ثمانية كنا، يجمعنا حب الصيد والسباحة والشعر والتمثيل! وفيما كان عبدالمقصود مسلم سباحاً ماهراً، كان الدكتور أحمد قنديل قارئا نهماً شأنه في ذلك شأن الشاعر الراحل علي هلال، والشاعر الآخر اسماعيل أبورية، وكان محمود شحاته، أكبرنا سناً أستاذاً في فن التقليد والحكي يتحول مساءً الى قاض عتيد، وكان سعيد عبدالمجيد فناناً يجيد العزف والغناء، يساعده الصديق الراحل محمود نوفل، وكنت ورفيقي شوقي أبورية نتولى أثناء إعداد الشاى، إعداد قوائم الاتهام لأي مخالف لقواعد الرحلة التي تستمر ثلاثة أيام، يزورنا خلالها كل من الدكتورين سمير صديق، ومهدي عامر.

هكذا في كل حديث عن النيل، وما أعذب الحديث عنه وعن جماله، وعن أهميته، هذه الايام وفي كل الأيام والأعوام، أجدني أعود بالذاكرة لهذه المرحلة الحالمة من عمري، وألجأ لعبد الوهاب وكأنني ألوذ به، كما كنت ألوذ بالنيل!

وفي شقة شبرا، عند صديقي الأعز الدكتور خالد غريب، وفيما كان غالبية طلاب الجامعات في جيلنا يستمعون، للجيل الصاعد من المطربين من أمثال هاني شاكر، ومدحت صالح، ومحمد منير، وأقلية صغيرة تتمسك بعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، كنت وصديقي قد حفظنا أغاني عبد الوهاب عن ظهر قلب، والنيل قاسم مشترك!

في كل مساء وتحديداً بعيد الخامسة وفور أن تنتهي كوكب الشرق من وصلتها في الاذاعة المسماة باسمها، يعلو صوت عبد الوهاب منادياً: كليوباترا .. أىُ حلمٍ من لياليكِ الحسانِ..طاف بالموجِ فغنّى وتغنّى الشاطئانِ..وهفا كلُّ فؤادٍ وشدا كلُّ لسانِ..هذه فاتنةُ الدنيا وحسناء الزمانِ..بُعِثَتْ فى زورقٍ مُستَلهَمٍ من كلِّ فنِّ..مرحِ المجدافِ يختالُ بحوراءَ تغنّي..يا حبيبي هذه ليلةُ حبي.. آه لو شاركتني افراحَ قلبي! الى أن يقول: يا ضفاف النيل بالله ويا خضر الروابي..هل رأيتنّ على النهر فتىً غضَّ الاهابِ..أسمرَ الجبهةِ كالخمرةِ فى النور المُذابِ..سابحاً فى زورقٍ من صنعِ أحلامِ الشبابِ..إن يكن مرَّ وحيّا من بعيدٍ أو قريبٍ..فصفيهِ وأعيدي وصفهُ فهو حبيبي!

غير أن أجمل وصف لأجمل رحلة، يكمن فيما غناه عبد الوهاب للشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل في وصفه لرحلة النيل: مسافرٌ زاده الخيالُ والسحر والعطر والظلالُ.. ظمآن والكأس فى يديه والحب والفن والجمالُ.. شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبالُ! ولم يزل ينشدُ الديارَا ويسأل الليل والنهارَا..والناس فى حبه سكارى، هاموا على شطه الرحيبِ.. آهٍ ..آهٍ ..على سرك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ.. يا نيل يا ساحر الغيوب!.

والحق أنني بدأت أستشعر طعم الجمال، وأنتقي حلو الكلام، وأميل للفلسفة والخيال، هناك على النهر في منشية جريس.. حيث سمعت بالفعل، فى شطه الجميلِ، كما قال محمود حسن إسماعيل، ما قالت الريحُ للنخيلِ.. وحيث يسبح الطيرُ أم يغني ويشرح الحبَ للخميلِ؟ واغصنٌ تلك ام صبايا شربن من خمرة الاصيلِ؟ وزورقٌ بالحنين سارَا أم هذه فرحة العذارى؟ تجري وتُجري هـواك نارَا، حملتُ من سِحرُها نصيبِي.. آهٍ على سرك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ.. يا نيل يا ساحر الغيوبِ!