مكة المكرمة أطهر بقعة، وأشرف مكان على سطح البسيطة، فيها أول بيت وضع للناس، وفيها ولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن على جبل أبي قبيس صدع بدعوته أول مرة، ومن ربوعها أشرق نور الإسلام، وفوق بقاعها نزلت آيات القرآن، واليها يتجه المسلمون أينما كانوا، وحيثما حلوا، فلا تكاد تمر لحظة مهما تجزّأت ودقت إلاَّ والعيون إليها طامحة، والوجوه إليها ناظرة، والرقاب إليها مشرئبة، والنفوس إليها ظامئة، والقلوب إليها والهة.

ولهذه المكانة والقداسة والعظمة والأهمية لاقت مكة المكرمة إقبالاً منقطع النظير عند المؤلفين، وحظيت باهتمام كبير عند العديد من الكتاب والمصنفين، وبالنظر فيما أُلف عن هذه المدينة المقدسة يلحظ هذا الاهتمام العظيم في كل هذه المصنفات المتنوعة التي لم تترك شاردة أو واردة عن هذه المدينة المقدسة إلاَّ وألِّف فيها ما يؤكد على مكانة هذه المدينة المقدسة والغالية على قلب كل مسلم ومسلمة.

إن مكة بين بقاع الأرض لها قداستها وعظمتها في القلوب ومن هنا جاء الفخر بالانتساب إليها، وحقّ لمكة أن تفخر على غيرها من الحواضر، وحق لأهلها بانتسابهم إليها، فقريش نالت مكانتها وعظمتها بين العرب كونها تسكن مكة، ولتوارثها حماية البيت أطلق عليهم (أهل مكة) ويفسر الثعالبي ذلك فيقول: لما تميزوا به عن غيرهم من سائر العرب من المحاسن والمكارم والفضائل، فمنها مجاورتهم بيت الله، وإيثارهم سكن حرمه على كل البلاد، وصبرهم على لأواء مكة وشدتها، وخشونة العيش بها.. ومنها ما تفردوا به من الإيلاف والوفادة والرفادة والسقاية والرياسة واللواء والندوة.

ومنها كونهم على إرثٍ من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهم السلام.

إن الحديث عن مكة كما قال الشاعر:

يُعادُ حديثها فيزيد حسنًا

وقد يُستقبحُ الشيءُ المعادُ

وحديث مكة ذو شجون، أشجى أفئدتنا

ومسامعنا منذ تلك الآهة التي صدعت قلب المضاض بن عمرو الجرهمي والد بنت المضاض زوجة إسماعيل وأم أولاده، تولى زعامة مكة بعد وفاة ابني إسماعيل عليه السلام:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكةَ سامرُ

وكنا لإسماعيل صهراً ووصلة

ولما تَدُرْ فيها علينا الدوائرُ

وكنا ولاة البيت من بعد نابت

نطوف بذاك البيت والخير ظاهرُ

وحديث السامر عن مكة المكرمة يبدأ من نشأتها وبداياتها الأولى، متصل الحلقات، عابراً الزمان، من لدن آدم عليه السلام ليحطَّ ركابه في أرض زماننا وعصرنا هذا محملاً بكل ألوان الطيف وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.