تعتبر الكوميديا من أصعب الفنون الدرامية إذ إنها تهتم بعرض مشكلات ومعالجتها بطريقة فكاهية تجذب المتلقي.. وقد استخدمت على نطاق واسع عالمياً في الإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح.. وما نراه في التجربة السعودية للكوميديا وخاصة مؤخراً في مسلسل (ممنوع التجول) أنها جاءت بأسلوب لا يفرق بين استجداء النكتة والضحك الأكروباتي، وبين أسلوب الدراما الراقي الذي لا يقل أهمية عن أنواع الدراما الاجتماعية الأخرى من حيث نضوج الفكرة، وسلامة النصوص، والحبكة الروائية، والممثلين، وتحقيق هدف أخلاقي يعبر عن قيم المجتمع وأخلاقه واحترام ثقافته.

ولعلي أعطي بعض الأمثلة، ففي الحلقة الأولى والتي كانت عبارة عن نياح لموت الأب ثم انقطاع التيار الكهربائي.. وضع كميات كبيرة من الثلج عليه ثم وضع الخضروات واللحوم فوقه لتحتفظ بصلاحيتها دون اعتبار لكرامة الميت التي هي جزء من قيمنا!؟، والضحك هنا للبسطاء والأطفال ولكنه رفض وألم من المثقفين والمفكرين.

بل في حلقات أخرى كان هناك استهزاء ببعض من الآيات القرآنية مثل: (أزفت الآزفة) والآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) ووصفهم ( بالمحصنات الناعسات!!) مما أثار مجموعة من الدعاة في تويتر وبعض الفيديوهات والرد على ذلك بالآية :( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)، وحيث إن المجال هنا لا يتسع لرصد التجاوزات في الحلقات فسأركز على الحلقة الثامنة (عالقون) حيث تجاوزت الكثير من الخطوط الحمراء؛ فبالرغم أنها عن جهود الدولة السعودية وقت الجائحة في إعطاء المواطنين السعوديين إقامة مجانية في فنادق خمس نجوم لإغلاق الأجواء والمنافذ.. ولكن المبالغة التي قدمت دون أية اعتبارات للأنظمة العالمية والوطنية؛ فالقصبي الذي مثل دور السكير بصورة عجيبة في ترنحه وكلامه غير المتزن.. يعامل كشخص عادي ويتحدث معه زملاؤه ويدخلونه إلى غرفهم وكأن المخرج أو المشرف العام على البرنامج أراد أن يقول للمشاهد أن هذا السكير إنسان محترم ومن الممكن إدخاله إلى غرفتك!! في حين يقول الله تعالى «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». أذكر حينما كنت في لندن في إحدى السنوات كان هناك سكير يترنح بالشارع ويأتي بألفاظ مسيئة للمارة وما هي الا لحظات حتي أتت الشرطة واستدرجته وأدخلته سيارة الشرطة وكفت الناس شره...!! فكيف بهذا السكير يترنح في ممرات فندق به عائلات سعودية وأطفال والمعروف أن السكير قد يرتكب جرائم تحرش واغتصاب وغيرها لذهاب عقله.. لماذا لم يقم أي منهم بإبلاغ إدارة الفندق، أو على الأقل المشرف على المجموعة من سفارة المملكة فهو موظف مكلف من الدولة!! والجانب الآخر في الحلقة التعامل مع متعاطي المخدرات فابن رجل الأعمال العالق في الفندق تشتكي له زوجته في السعودية ابنه المتعاطي والذي يبتزهم ويهددهم بالقتل اذا لم يعطوه أموالاً، يقول: (أعطوه) ثم يحرض عليه مجموعة من الغوغائيين لخطفه واحتجازه لحين عودته!!، فأي تصرف أهوج هذا!؟ لماذا لم يبلغ رجال الأمن لحجزه الذي هو ربما طرف الخيط الموصل للمروّج والذي كثيراً ما ينفذ به حد القصاص في السعودية استدلالاً بالآية الكريمة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا..) وليس أدل على جهود الدولة في مكافحة مروجي المخدرات إلا وقف استيراد الفاكهة من لبنان مؤخراً لاكتشاف تهريبها بالأطنان؛ فقد عرف أذناب إيران أن هزيمة الأمة تكمن في غياب عقول شبابها فصدروا لنا سلاحهم الخفي.. ولكن اليقظة السعودية تفسد مخططاتهم..

سؤالي هو: كيف يتم تمرير مثل تلك الممارسات التي تسيء لنا كشعب وكدولة، فالمواطن السعودي هو سفير لدولته في الخارج..

وآخر الحلقة الطامة الكبرى حين يغضب (السكير) من انفراج الأزمة والعودة للوطن لأنه لن يجد خمراً مجانياً هناك!! وهنا سيجد الذين يصطادون في الماء العكر فرصة سانحة للنيل من عطاء الدولة السخي بمثل هذه الشطحات والكوميديا المضللة التي يشاهدها الملايين حول العالم!!.