لا أحد يشك في عدم ولاء أي عربي ومسلم لقضية فلسطين وكراهيته لدولة الاحتلال ووقوفه إلى جانب أصحاب القضية، وأن قضية فلسطين هي قضية العالم العربي والإسلامي الأولى، ولعل موقف هذه الدول ظهر في ختام الاجتماع الطارىء لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي الذي دعت إليه المملكة، والذي أدان بشدة الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة تجاه الشعب الفلسطيني ووصفها بأنها تنتهك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، مطالبًا بوضع حد لجميع الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل، وعدم المساس بالمسجد الأقصى ووضعه القانوني والتاريخي.. فمسألة الدعم والوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني مسألة لا يتطرق إليها الشك.

لكن المؤسف، وأثناء المعركة الأخيرة، والطائرات الإسرائيلية تدك المباني وتقتل الأبرياء، وصواريخ المقاومة تهاجم الأراضي الإسرائيلية، ظهرت بعض التصريحات المنفلتة من مسؤولين فلسطينيين يشككون فيها من ولاء بعض الدول العربية للقضية الفلسطينية، حيث اتهم (جبريل الرجوب) أمين سر اللجنة المركزية لمنظمة فتح أطرافًا عربية دون تسميتها بالتواطؤ مع (نتنياهو) لتكريس الانقسام الفلسطيني، مشيرًا إلى (أن الشعب الفلسطيني في خط الدفاع الأول عن كرامتهم وبترولهم وأمتهم)، فتصريح مثل هذا ليس هذا وقته، والحقيقة أن (الرجوب) يعلم تمامًا من هم الذين يقفون خلف تكريس الانقسام الفلسطيني الذي يخلق التواطؤ بقصد أو بدون قصد مع (نتنياهو)، كما يدرك بأن العديد من الدول بذلت الكثير من المحاولات لرأب الصدع الفلسطيني - الفلسطيني، ولعل من أهم تلك المبادرات الدعوة التي وجهها الملك عبدالله يرحمه الله عام 2007 لقادة الحركات الفلسطينية للقاء في رحاب مكة المكرمة لبحث أمور الخلاف بينهم بكل حيادية ودون تدخل، والتي تمخضت عن (بيان مكة) الذي وقع عليه مسؤولو (فتح) و(حماس) وبقية الحركات الأخرى، والذي أكد فيه المجتمعون على تحريم الدم الفلسطيني، والاتفاق بصورة نهائية على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وتأكيد مبدأ الشراكة السياسية.

كنا نتمنى أن تتوحد الجهود لتقوي من شوكة المواجهة، لكن حتى الوسطاء الذين يتفاوضون من أجل إيقاف الحرب الحالية لا يعرفون يتعاملون مع أي سلطة، فالسلطة الشرعية لا تملك حق إيقافها، لأن من أشعلها لا يعترف بها، لاشك بأن هناك قوى خفية تسعى لبقاء هذا الانشقاق وتغذيه، وأقلاما تقف مع طرف دون طرف لتأجيج الصراع، من بينها الكاتب الفلسطيني (عبدالباري عطوان) الذي كتب في مقال له «بأن حركة (فتح) تراجعت إلى الصفوف الخلفية بسبب قيادتها التي وظفت البندقية في خدمة التنسيق الأمني وحماية الاحتلال ومستوطنيه والرهان على المفاوضات والثقة بالمحتل، وأن حلف (حماس) يستعيدها بالصواريخ ويوظفها بجدارة لحماية الأقصى».. والحقيقة أن تلك الصواريخ فتحت شهية دولة الاحتلال لارتكاب المزيد من المجازر، حيث بلغ عدد القتلى من الشهداء الفلسطينيين أكثر من (250) شهيدًا و(1500) جريح، وأكثر من (45) ألف لاجيء في جريمة حرب ووحشية لم يشهدها قطاع غزة من قبل.

لقد طالبت المملكة منذ اليوم الأول لاندلاع هذه الحرب بضرورة وقف الاحتلال الإسرائيلي الفوري لأعماله التصعيدية التي تخالف الأعراف والمواثيق الدولية كافة، كما دعت إلى استكمال الجهود الرامية لإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، ودعت المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، معلنة بأن القدس الشرقية أرض فلسطينية لا يجوز المساس بها.