بحمد الله وفضله، أتمَّ الأصحَّاء منَّا صيام شهر رمضان، راجين المولى أن يتقبَّل صومهم، ويستجيب لصالح أعمالهم ودعائهم.. ويكتب لهم وللمؤمنين العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.. وأن يعجَّل في خلاص العالم من وباء كورونا الذي لم تستثنَ أحدًا في العالم من عدوانيَّته، وأجبرت الجميع على التزام مساكنهم وممارسة غالبيَّتهم العمل عن بُعد، وعدم الاتِّصال والتواصل الشخصي مع الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء.

حرم الصائمين من إحياء ليالي الشهر المبارك في بيوت الله.. ومن متعة تبادل دعوات الإفطار والسحور مع الأهل والجيران والأصدقاء.. كما حرمهم من ممارسة ما جرت عليه العادة من توقُّف في بيت الأكبر سنًّا من الأهل لتقديم التهاني والمشاركة في فطور الصباح العائلي، ومن ثمَّ تبادل زيارات التهاني مع الجيران والأصدقاء.

كنَّا في طيبتنا الطيِّبة قبل الانتشار السكَّاني الذي نجم عنه إزالة سور المدينة المنوَّرة، نتبادل التهاني مع سكَّان الحارات المجاورة كافَّةً في الأيَّام التالية للعيد؛ وفق تسلسل متعارف عليه.. وكان لكلِّ حارة أو مجموعة حارات يوم محدَّد لاستقبال المهنِّئين بالعيد.. يبقى الرجال في بيوتهم في اليوم المخصَّص لهم مُشرِّعي أبواب بيوتهم لاستقبال المهنِّئين على الماشي؛ فنجان قهوة مع التمر وحبَّة حلاوة.. وفي حال غياب ربَّ الأسرة عن البيت، يجد الزائر في غرفة الاستقبال دلَّة القهوة وعلبة التمر وسبت الحلويات وورقة وقلم يسجَّل عليها اسمه لتردَّ له الزيارة في اليوم المخصَّص لحيَّه.. أمَّا البيوت المقفلة أبوابها، فذاك يعني وجود أسباب قاهرة يحرص الجيران على تذليل عقباتها.. وللأطفال فرحتهم، وهم يتبخترون بكسوة العيد الجديدة، ويتناولون من أهاليهم وأقاربهم العيديَّة النقديَّة ينفقونها على التسلية بتناول البليلة والفول النابت المتبلة بالخل والطرشي والتسلية بألعاب العيد من مراجيح وعربيّات وعجلات بدائيَّة التصميم.

واليوم مع كورونا عملت وبدون تخطيط على لمِّ شمل الأسرة الواحدة بفرضها تناول أفرادها وجبات طعامهم مع بعض، ومن ثمَّ مشاهدة البرامج التلفزيونيَّة التي تقدِّمها الفضائيَّات العربيَّة على قنوات يتجاوز عددها اليوم الألف وأربعمائة قناة.. في حين كانت لا تتعدَّى الثلاثين في تسعينيَّات القرن الماضي، عارضة على مدى الأربع والعشرين ساعة كلَّ يوم مئات المسلسلات والبرامج، غالبَّيتها ترفيهي، وقليل منها ديني وثقافي.. هذا لا يعني أنَّ كلَّ أمور الصائمين على ما يرام.. فأقسام الطوارئ في المستشفيات شهدت أعدادًا لا يستهان بها من المصابين بالتخمة ومضاعفاتها من أمراض تهدِّد حياتهم، نتيجة الإسراف في الطعام وقلَّة الحركة.

ومن باب شكر المولى على كرمه وعطائه، تواصل قيادتنا الرشيدة السير على خطى مؤسِّسها طيَّب الله ثراه، ونهج أنجاله الملوك خدَّام الحرمين الشريفين تقديم العون والمساعدة للمحتاجين دون شروط أو تمييز عرقي أو ديني.. وهذا عين ما شهد به العالم إبَّان الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة التي ضربت العالم سنة 2009 وتتابعت تداعياتها في السنوات التالية، ملحقة المزيد من الضرر والفقر والعوز للعديد من البلدان.. وكان كلُّ ذلك البذل والعطاء من فضل الله، والتزامًا من أُولي أمرنا في بلد الحرمين الشريفين بقوله تعالى: ﴿وَالَذَينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ للَّساِئلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.