أواصل حديثي عن الميراث في مسودة مشروع مدونة الأحوال الشخصية، وسأتوقف في هذه الحلقة عند المادة (219) التي تنص على: «1. ترث بنت الابن النصف إذا كانت واحدة والثلثين إن كانتا اثنتين فأكثر ــ إذا توافر الشرطان:

أ‌. ألّا يكون للميت فرع وارث أعلى منها.

ب‌. ألّا يكون للميت ابن ابن في درجتها.

1. ترث بنت الابن إذا كانت واحدة -فأكثر- السدس إذا توافر الشرطان الآتيان:

أ‌. وجود بنت وارثة للنصف فرضًا.

ب‌. ألّا يكون للميت ابن ابن في درجتها.

2. ترث بنت الابن إذا كانت واحدة فأكثر الباقي مع ابن ابن للميت في درجتها -أو أنزل منها إن احتاجت إليه- تعصيبًا بالغير للذكر مثل حظ الأنثيين، بشرط عدم وجود فرع وارث ذكرأعلى درجة منها».

وقد استوقفتني هذه المادة بفقراتها للأسباب التالية:

أولًا: التركيز على بنت الابن دون بنت الابنة، لأنّها حُرمت من ميراث جدها لأمها بدون ورود نص في القرآن الكريم يحرمها من الميراث، وإنّما الذي حرمها آراء بعض العلماء الذين ورّثوا ذكورًا بالتعصيب، وحرموا إناثًا وأولادهم من ذوي الأرحام رغم ورود هاتيْن الآيتيْن اللتيْن تؤكدان على أنّ لفظ (أولوا الأرحام )عام يشمل جميع الأقارب، ورغم أنّ آيات المواريث (النساء:11، 12، 176) ليس فيها إشارة أو تخصيص للعصبات الذكورية، وتقديمها على الأقارب من جهة الإناث، هذا الشرط الذي وضعه العلماء كأحد شرطي توريثهم، إلّا أنّنا نجد منهم مَن قالوا بعدم توريث ذوي الأرحام، وأنّ الأولى إعطاء مال المتوفى الذي لا وارث له لا بطريق الفرض ولا التعصيب إلى بيت المال، وهو مذهب الإمام الشافعي ومالك، والظاهرية، واستدلوا بالآتي:

1.أنّ المواريث لا تثبت إلّا بنص قاطع من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وحيث لا نص، فلا ثبوت لتورثيهم مع عدم وجود النص وإلاّ كان توريثاً بغير دليل ، وإعطاء للمال بغير حق وهو باطل.

2. ما ورد عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنّه قال لما سئل عن ميراث العمة والخالة: «أخبرني جبريل ألا شيء لهما»

3. أنّ آيات المواريث قد بينت نصيب الأقارب الوارثين، ولو كان لذوي الأرحام نصيب في التركة لجاءت النصوص ببيانه.

4. أن دفع المال لبيت مال المسلمين تتحقق منه منافع كثيرة يشترك فيها جميع المسلمين، بخلاف ما إذا أعطيناه لذوي الأرحام فإن النفع يكون مقصورًا عليهم فقط.

وهذه مبررات مردودة:

أولًا: لوجود آيتيْن في القرآن تؤكدان على حقهم في الميراث

أولهما: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنفال: 75].

ثانيهما:(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) [الأحزاب:6]، وهما تدحضان الروايات المنسوبة إلى بعض الصحابة القائلة بعدم توريث أولي الأرحام.

ثانيًا: استدلالهم بحديث «العمة والخالة لا شيء لهما»، رواه أبو داود والنسائي في المراسيل؛ لذا لم يأخذ به عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ لأنّ المراسيل لا يُعتد بها في الأحكام الفقهية.

ثالثًا: قولهم إنّ آيات المواريث قد بينت نصيب الأقارب الوارثين، ولو كان لذوي الأرحام نصيب في التركة لجاءت النصوص ببيانه، متجاهلين أنّ تلك الآيات لم تشر إلى العصبات، ومتجاهلين أيضًا آيتي (6) من الأحزاب، و(75) من الأنفال.

رابعًا: إن كان ذوو الأرحام ليسوا من الأقارب، فمن هم الأقارب إذن، ألكونهم فروع الميت الذين يدلون إليه بواسطة الأنثى، فيصبحون ليسوا بأقارب، كأولاد البنات، وأولاد بنات الابن وإن نزلوا ذكورًا وإناثًا، وأصول الميت الذين يتصلون به بواسطة الأنثى، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، مثل أب أم الميت، وأب أب الأم. وأم أب الأم، وأم أم أب الأم، وابن الأخت، وبنت الأخت وإن نزلوا. وبنات الإخوة مطلقًا وإن نزلوا، وأولاد الإخوة لأم وإن نزلوا والأعمام لأم، والعمات مطلقاً، والأخوال والخالات مطلقاً.. إلخ؟ للحديث صلة.