كنت أتأمل في مدلولات قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).

وهي الآية التي جاءت في ختام الآيات التي نزلت في براءة أمِّنا عائشة -رضي الله عنها- من كل ما قاله فيها المنافقون.

توقفت أمام الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تتمخض عن آفة سرد الشائعات والاستماع إليها، ناهيكم عن مخاطرها الأمنية وتداعياتها على السلم والأمن الاجتماعي.

إن بث الأخبار المغلوطة المستمدة من الوشايات القاتمة والشائعات الكالحة هو وسيلة يلجأ لها المعتلُّون نفسياً لضرب بنيان المجتمع، وهي تكشف عن خوارهم وفقدانهم للقوى الداخلية التي تساعدهم على تجاوز الآخر، كما تكشف عن نوايا خبيثة يحاولون من خلالها التسلق على ظهور الآخرين أو تدميرهم بدافع الغيرة والحسد، أو نشر الفوضى والقلاقل في التركيبة المجتمعية برمتها في إطار الحروب النفسية، تنفيذاً لأجندات مغرضة تستهدف تقويض أركان المجتمع كله!!.

إن أضرار الشائعات خطيرة وكبيرة، فكم فرَّقت من أحبة، وكم فكَّكت من أُسر، وكم دمَّرت من مجتمعات، وكم نشرت من حسد وبغضاء وتنافر بين الناس، وكم أشعلت من نار الفتنة بين الأنقياء والأصدقاء والأهل، وكم نزعت الثقة من القلوب، وكم انهارت بسببها منظّمات كبرى كانت شامخة في العطاء التنموي!!.

كم من زوج طلَّق زوجته، وكم من زوجة نفرت من زوجها، كم من أخ خاصم أخاه، كم من شخصٍ قتل آخر بسبب شائعة جثمت على صدورهم وألقت بظلالها القاتمة على تفكيرهم فراحوا يتخبطون خبط عشواء لضرب الآخرين بسهام حقدهم وحسدهم!.

إن مُطلقي الشائعات والأكاذيب الرخيصة ليسوا إلا نماذج سوداء لسوء النية وقُبح الطوية وانحدار السلوك، إنهم نماذج مختلة أُصيبوا باعتلالات نفسية وسلوكية فسوَّلت لهم أنفسُهم اعتلاءَ منابرِ الشرِّ لنشر الأكاذيب التي تسري كالنار بالهشيم فتعيث في الأرض فساداً يكشف عن سقوطهم الأخلاقي!!.

ولعل نقص الوعي المجتمعي وغياب التوعية هو المضمار الواسع الذي يخوض في غماره هؤلاء المغرضون لتلويث المجتمع بأفكارهم الكالحة في صورة أشبه ما تكون بـ «الكوميديا السوداء».

فهل نبدأ بعلاج هذا المرض العضال ونئدُ ذلك البُهتان باستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية وعدم نشرها إلا بعد التأكد من صحتها حفاظاً على أمن المجتمع وسلمه واستقراره وطمأنينته؟.

هل نراقب الله في كل ما نلفظ به، وندرك أبعاد قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)؟.

هل نتوقف عند مدلولات قوله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يُحدِّث بكل ما سمِع»..

الحديث ذو شجون، وقديماً قيل: «من كثر كلامُه كثُر سقطُه»، ولكننا نختتم بقول الإمام الشافعي:

لسانُك لا تذكرْ به عورةَ امرئ فكلُّك عوراتٌ وللناسِ ألسُنُ.