أكدت تقارير اقتصادية حديثة زيادة الإقبال على العمل الحر في ظل جائحة كورونا. وقالت التقارير أن هناك أسباب منطقية كافية لارتفاع عدد العاملين لحسابهم الخاص بسبب الجائحة، نظرا لزيادة الإقبال على الانتقال إلى مفهوم القوى العاملة "حسب الطلب".

وأوضح جاد اليوت ديب، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ "بانجيا اكس"، منصة تحليل البيانات في دول مجلس التعاون، أن العمل الحر قدم في أغلب الأوقات بديلاً فعالاً من حيث التكلفة وأثبت فعاليته عندما يتعلق الأمر بالاستعانة بمصادر خارجية. مع زيادة توافر تأشيرات أصحاب العمل الحر في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، تزايد إقبال أصحاب العمل الحر الجدد خلال السنوات القليلة الماضية. وقد لعبت جائحة فيروس كورونا المستجد بالتأكيد دوراً في زيادة عددهم، بسبب اتجاه العديد من الأشخاص إلى العمل الحر، ولكن أيضاً، وبشكل أكثر تحديداً، بسبب تفضيل الشركات نموذجاً قائماً على مبدأ العمل الحر لدعم فريقها الرئيسي.

وأضاف ديب لقد أثبتت الجائحة، التي أجبرت معظمنا على التكيف على العمل من المنزل في جميع أنحاء العالم، أن العمل عن بُعد أكثر مصداقية مما كانت تراه العديد من الشركات سابقاً. فقد اتخذت العديد من الشركات قرارات نحو العمل عن بُعد بشكل دائم مثل شركة جوجل التي مدت سياسته للعمل عن بُعد حتى نهاية عام 2021. علاوة على ذلك، تسببت جائحة فيروس كورونا المستجد في فقدان ما يقرب من 400 مليون وظيفة، وذلك حسب ما صرحت به منظمة العمل الدولية، مما عمل على زيادة اتجاه الأشخاص الموهوبين إلى العمل الحر.

وفي دراسة حديثة أجرتها شركة بايونير، والتي حللت بموجبها نشاط حركة الدفع بين أصحاب العمل الحر وعملائهم، فقد أبلغت المنصة عن زيادة كبيرة في عدد أصحاب العمل الحر خلال الفترة المتراوحة بين الربعين الأول والثاني من عام 2020 واحتلت دولة الهند المرتبة الأولى في السوق الأسرع نمواً بزيادة تقارب 50٪ يليها مباشرة دولة الفلبين. وتشير الدراسة إلى أن مستقبل العمل الحر يزدهر ويتزايد بشكل ملحوظ وسرعان ما أصبح الاختيار المهني للعديد من الأشخاص في جميع أنحاء العالم، خاصة مع جيل هذه الألفية الذين يُشكلون أكثر من 70٪ من نسبة أصحاب العمل الحر في جميع أنحاء العالم، وذلك وفقاً لما صرحت به شركة بايونير.

وتضيف الدراسة أنه في السابق التزمت العديد من الشركات بنموذج الموظفين الذين يعملون بدوام كامل كوسيلة للحفاظ على "التحكم" في حجم العمل مع ضمان استمرار ولاء الأشخاص الذين يعملون معهم. وكان يُنظر في السابق إلى العمل الحر أو العمل بدوام جزئي على أنه استثمار أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالاستمرارية والولاء واتساق العمل، ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية ومؤخراً في عامي 2020/2021، حدث تحول في تفكير الشركات وأدركت أن أصحاب العمل الحر يمكن أن يُشكلوا خياراً جيداً، بل ويقدمون أماناً أكثر من الناحية المالية، خاصة في الأوقات "الصعبة".

وكما هو الحال في العديد من مناطق مجلس التعاون الخليجي، فإن توظيف شخص ما في وظيفة بدوام كامل أو بشكل دائم، يعني في كثير من الأحيان تكبد تكاليف التأشيرة والنفقات الطبية وغيرها لهذا الموظف، وذلك على عكس أصحاب العمل الحر الذين يتم تعيينهم "عند الحاجة"، دون تكبد أية تكاليف إضافية.

وتؤكد الدراسة إن ثقة الأشخاص في العمل الحر وزيادة توجههم نحوه ليس مجرد تحول من وجهة نظر الشركات فقط ولكن أيضاً من وجهة نظر الأشخاص الذين يعرضون خدماتهم لحسابهم الخاص. وعلى عكس الجو المكتبي الذي يجلس فيه الموظفون أمام بعضهم البعض، أصبح عمل كثير من أصحاب العمل الحر عن بُعد الآن، لذلك يقع العبء أيضاً على أصحاب العمل الحر فيما يتعلق بضمان حصولهم على ثقة الشركات والالتزام بتحقيق الإنجازات التي يتعهدون بها.

ويتزايد انتشار التطبيقات والمنصات بشكل ملحوظ في جميع أنحاء العالم وتلعب هذه التطبيقات والمنصات دوراً فعالاً في إدارة العلاقة بين أصحاب العمل الحر والشركة لضمان توفير عناصر مهمة مثل تسليم العمل في الوقت المحدد أو سداد المدفوعات في موعد استحقاقها كما هو متفق عليه. وفي دولة الإمارات على سبيل المثال، كان هناك تحرك حكومي كبير نحو تسهيل إصدار تصاريح العمل الحر وبأسعار معقولة. وقد أطلقت مدينة دبي للإعلام مؤخراً مبادرة "جو فريلانس" الخاصة بهم، والتي تعتمد بالكامل على التحول الرقمي والسهولة مع تسليم تصريح العمل في فترة زمنية قصيرة جداً.

وفي الآونة الأخيرة، أطلقت حكومة الإمارات تأشيرة العمل الحر الدولية التي تسمح للموظفين الأجانب بالتقدم للحصول على تأشيرة عمل عن بُعد لمدة عام واحد حتى يتمكنوا من الإقامة في دبي بينما يظلون يعملون في الخارج. ولا تجعل هذه التحركات عملية الانتقال إلى العمل الحر أسهل فحسب، بل تعمل أيضاً على تحول العقلية في المنطقة نحو طبيعة العمل الحر "الاحترافية"، ونحو نموذج عمل سبق وأن تلقى ردود فعل سلبية بسبب المصداقية.

وحدد تقرير جديد أصدره موقع لينكد إن الوظائف الأكثر طلباً في الوقت الحالي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وتشمل العديد من هذه الوظائف وظائف العمل عن بُعد الرقمية.

وصرح علي مطر، رئيس موقع لينكد إن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والأسواق الناشئة في أوروبا وأفريقيا، بأن "جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) قد غيرت من طريقة إدارة الشركات للأعمال وطريقة عمل الأشخاص، ولكنها أيضاً أتاحت فرصاً في عدد من القطاعات مع استمرار الشركات على التكيف مع الجائحة".

ويتساءل الدراسة، هل أصبح نموذج العمل الحر حلاً قابلاً للتطبيق على المدى الطويل؟ وأوضح التقرير أنه على الرغم من إجراءات تخفيض الميزانيات المتبعة منذ بداية انتشار الجائحة، إلا أن الشركات لا تزال تبحث عن طريقة لإعادة تعزيز أعمالها والنهوض بها من جديد بعد جائحة كوفيد – 19، وتتمثل إحدى الطرق للقيام بذلك في الاستعانة بمصادر خارجية، وهو حل مرن للغاية يأتي بتكاليف أولية أقل بكثير في هذه الأوقات الصعبة من الناحية المالية. إن امتلاك مجموعة موثوقة من أصحاب العمل الحر الذين يمكنك الاتصال بهم عند الحاجة أو الاحتفاظ بهم على أساس مشروع طويل الأجل، أصبح في وقت قصير خياراً شائعاً للغاية هنا في مجلس التعاون الخليجي وعلى الصعيد الدولي.