يعيش كثير من العرب، على المفاهيم القديمة، ولا يمتلكون الرغبة لتحديث معلوماتهم، لذلك لا يستطيع كثير منهم الرؤية بمنظار الحقيقة، بل بمنظار الحقد والضغينة، يغيب عنهم التغيير الكبير الذي حدث للمفاهيم والتعريفات التراثية التي أطلقها الكتاب أو العلماء والفلاسفة على البداوة كمثال؛ لأن هذا المفهوم أو المصطلح « البداوة» برز في الفترة الأخيرة بشكل لم يسبق له مثيل، لأن شربل وهبة نفثه في لقاء تلفزيوني كالسم من صدر الأفعى، مع أنه المسؤول الأول عن الدبلوماسية اللبنانية، لكن للأسف ربما يكون هو هذا النهج الذي يدور في الاجتماعات المغلقة للحكومة اللبنانية كما عقب المحاور المتمكن سلمان الأنصاري، أي أنه هو الواجهة التي تمثل الحكومة اللبنانية التي أوصلت لبنان إلى الحضيض.

هذا المقال ليس رداً على المذكور فقد نال ما يستحق، لكنه توضيح لحقيقة مفهوم البداوة في السعودية التي احتلت أولى المراكز العالمية في كثير من المجالات، على سبيل المثال لا الحصر، السعودية تتقدم 7 مراكز في مدركات الفساد cpi لعام 2019م، وتقدمت في مركزها بين مجموعة دول العشرين الاقتصادية .

20 لتحقق المركز العاشر.

التعريف القديم للبداوة كما ورد في وصف المؤرخ البريطاني أرنولد جوزيف توينبي «Arnold j.Toynbee

»، بأن البداوة «حضارة مجمّدة»، وكما لمح إليه المذكور، بأن البداوة تناقض الحضارة، فالحضارة ظاهرة اجتماعية متغيرة تختلف كثير من معالمها وخصائصها باختلاف الزمان والمكان أما البداوة فتعريفها بسيط كبساطتها فهي اليوم تشبه ما كانت عليه قبل مائة سنة أو قبل عدة مئات من السنين» حسب ما ذكره علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي.

وبالنظر للتعريفين السابقين لتوينبي والوردي، والحالة التي وصلت إليها السعودية، يتضح أن السعودية استطاعت أن تتجاوز التعريفين، والمسلَّمات والفرضيات، لأن من يعرف السعودية قبل 50 عاماً لا يمكنه التعرف عليها الآن، تغيرت بشكل متسارع جعلها في صدارة الأمم، بينما الفساد يغرق لبنان، الدولة التي تنتمي إلى تعريف « الحضارة»، وهو معنى إيجابي في تعريف الوردي، التغيير المتسارع إلى الأفضل، أي بمعنى التقدم المطرد في كافة مناحي الحياة،

لكن لبنان رغم أنها كانت في مقدمة الدول المتحضرة في الشرق الأوسط إلا أن الفساد جعلها تسقط من قائمة الحضارة، بعد أن هجرها محبوها من السياح العرب والخليجيين «البدو» الذين امتطوا ركب الحضارة وتقدموا الأمم بسرعة فائقة، حتى أن دول الخليج وفي مقدمتها السعودية، أصبحت حلم اللبنانيين للعيش فيها.

أرض الجزيرة العربية، لم تطأها قدم محتل أجنبي، فكل ما تحقق على أرضها هو جهد ومهارة أبنائها « البدو» الذين نهلوا من العلوم، وبرعوا في كل مهنة، حتى وصلت إلى هذه النهضة في عهد الملك سلمان وولي عهده الشاب محمد بن سلمان، الجزيرة العربية الأرض البكر، تدثر شعبها بعروبته، وتمسك بقيمه الأصيلة، التي ظهرت في وقوفه مع جيرانه في كل أزمة تمر بهم.

عندما كانت معارك التحرر من الاستعمار البريطاني والفرنسي على أشدها، بين شعوب محتلة لا تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والخطط والتكتيكات الحربية التي يمتلكها المحتل، كانت المملكة العربية السعودية بقيمها البدوية العربية هي الساعد الأيمن لكل الشعوب المناضلة، قدمت كل ما استطاعت من أموال وضغط سياسي وأرواح طاهرة شاركت في معارك التحرر ضد الاستعمار بما فيها الحروب ضد إسرائيل، كانت ومازالت المملكة العربية السعودية هي الظهر القوي الذي استندت عليه الشعوب المنهكة خلال نضالها الطويل والمضني ضد المحتل.

بعد التحرر تمسكت بعض الشعوب بكل ما فرضه عليها المستعمر، ثقافة ولغة حتى دستور الحكم، بينما تحكم السعودية بدستورها «القرآن»، منذ وضع قواعد الحكم وأسس هذه الوحدة بين مناطق الجزيرة العربية التي أصبحت نسيجاً واحداً لغة وثقافة، قيماً ومبادئ لم تتخل عن أصولها الثقافية وهي تسير مسرعة في قطار الحضارة حتى أنها حققت هذه المكانة الدولية وغيَّرت مفهوم البداوة التراثي بإيجابية مبهرة!.